26 سبتمبر.. وطن يتجدد في ذاكرة اليمنيين 

لؤي يحيى الإرياني

سفير اليمن في ألمانيا 

 يمثل 26 سبتمبر بالنسبة لليمنيين أكثر من مجرد تاريخ في الذاكرة الوطنية؛ إنه لحظة تأسيسية نقلت البلاد من حكم الإمامة المغلق إلى مشروع جمهوري فتح آفاقًا للحرية والمواطنة. ومنذ ستة عقود، لا يزال سبتمبر حاضرًا بوصفه مرجعًا سياسيًا وأخلاقيًا ووطنيًا، خاصة في ظل النضال الحالي لاستعادة الدولة والجمهورية بعد الانقلاب الحوثي، الذي حاول إعادة إنتاج الإمامة بصيغة جديدة عام 2014. 

 اليمنيون يختلفون في طريقة قراءتهم لسبتمبر؛ فالبعض يراه شهر الثورة، وآخرون يعدونه رمزًا للجمهورية، بينما يربطه كثيرون بمعركة الكرامة ضد نظام حرَم الناس من أبسط حقوقهم. لكن المشترك بين كل هذه القراءات أن سبتمبر يظل لحظة تحرر جماعية، وانتقالًا من وضع يختزل السلطة في سلالة تزعم “الحق الإلهي”، إلى أفق أوسع يقوم على سيادة الشعب ومبدأ المواطنة المتساوية. 

 اليوم، وفي ظل الحرب والانقسام، يستعيد اليمنيون معنى سبتمبر كفضاء وطني جامع. فكلما حاولت الإمامة الجديدة أن تفرض واقعها، وجد اليمنيون في سبتمبر ملاذًا يعيد التأكيد على أن الجمهورية ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وجودية. بهذا المعنى، يتحول سبتمبر إلى “وطن رمزي” يحتضن أبناء اليمن داخل البلاد وخارجها، ويوفر لهم سندًا أخلاقيًا ومعنويًا في مواجهة مشروع يسعى لطمس هويتهم الجامعة.  

وفي المهجر، تتجلى رمزية سبتمبر بوضوح أكبر. فاليمنيون الذين يعيشون بعيدًا عن بلادهم يجدون في إحياء هذه الذكرى وسيلة للتواصل مع وطنهم والتعبير عن انتمائهم رغم المسافات. وفي ألمانيا، على سبيل المثال، تحرص السفارة اليمنية في برلين، بالتعاون مع أبناء الجالية، على إحياء ذكرى سبتمبر سنويًا بإيقاد الشعلة وترديد النشيد الوطني. وهذه المشاهد ليست مجرد احتفالات عابرة، بل تعبير عن أن سبتمبر لا يزال الرابط الأعمق بين اليمنيين، وأنه يختزن القدرة على نقل هذا الارتباط إلى الأجيال الجديدة التي لم تعرف اليمن إلا من خلال حكايات وآمال أسرها. 

 هذه الروح ليست جديدة؛ فقد لعب المهاجرون اليمنيون أدوارًا مهمة في ثورة 26 سبتمبر نفسها، وكانوا رافدًا للحركة الوطنية بالمال والموقف والدعم السياسي. واليوم، يعيد اليمنيون في الخارج إنتاج هذا دور من خلال النشاط السياسي والإعلامي والمجتمعي الذي يواجه المشروع الإمامي الجديد. هكذا يصبح سبتمبر جسرًا يربط بين أجيال مختلفة، من الذين شاركوا في الثورة إلى الذين يواصلون الدفاع عن مبادئها من مواقع مختلفة حول العالم.

 الرهان على 26 سبتمبر إذن ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل قراءة لجوهر الصراع في الحاضر. فالإمامة، قديمها وجديدها، تقوم على إنكار سيادة الشعب، بينما تعني الجمهورية المساواة أمام القانون، والمشاركة في القرار، وبناء مؤسسات مدنية. وبين هذين الخيارين يقف اليمنيون اليوم في معركة وجودية، يجدون في سبتمبر مرجعيتهم التاريخية والسياسية لمواصلة النضال. 

 إن دلالات سبتمبر لا تنفصل عن الواقع المأساوي الذي يعيشه اليمن. فالمعركة مع الانقلاب الحوثي ليست فقط مواجهة عسكرية، بل صراع على معنى الدولة وهوية المجتمع. وسبتمبر يقدم في هذا السياق بوصلة واضحة: دولة مدنية لكل أبنائها، لا مكان فيها لامتياز سلالي أو ادعاء بالحق الإلهي. ومن هذا الوعي يستمد اليمنيون يقينهم بأن الانتصار على مشروع الإمامة ليس خيارًا، بل استحقاق تاريخي يكمّل ما بدأ في 1962.

 26 سبتمبر إذن ليس مجرد ذكرى، بل عقد اجتماعي جمعي غير مكتوب بين اليمنيين على رفض عودة الماضي الإمامي، والتمسك بالجمهورية باعتبارها الطريق الوحيد لبناء دولة قادرة على احتضان جميع مواطنيها. ومن خلال هذا الوعي يصبح إحياء سبتمبر واجبًا وطنيًا يتجاوز الاحتفال الرمزي إلى الفعل السياسي والاجتماعي الذي يعيد لليمنيين ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على استعادة جمهوريتهم. 

 وبينما يشكل الانقلاب الحوثي تهديدًا لمصير اليمن كله، يبقى 26 سبتمبر السند التاريخي والأخلاقي الذي يؤكد أن اليمنيين قادرون على حماية جمهوريتهم، تمامًا كما فعلوا في 1962. ومع كل إحياء لهذه الذكرى يتجدد الوعد بأن المعركة التي بدأت قبل ستة عقود ما زالت مستمرة، وأن انتصار اليمنيين فيها استحقاق لا مفر منه، وفاءً لسبتمبر ولليمن وللأجيال القادمة.