
صفوان سلطان
مقرر التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، وعضو المكتب السياسي لحزب العدالة والبناء، وباحث في القضايا السياسية
في السادس والعشرين من سبتمبر 1962، فتح اليمن نافذته على فجر جديد بعد قرون من العزلة. لم تكن الثورة مجرد انتقال في السلطة، بل كانت قطيعة مع فكرة استقرت في الذهنية اليمنية طويلًا: أن الحكم حق حصري لسلالة تدّعي «الحق الإلهي»، فيما بقية الشعب محكوم عليهم بالطاعة والصمت.
قبل الثورة، كانت الإمامة تمارس السلطة بوصفها وصاية سماوية، حيث امتزج السياسي بالديني، وأصبح الحاكم وسيطًا بين الإنسان وربه، وطاعته جزءًا من العقيدة. هذا النموذج جعل المعارضة تُصوَّر كخطيئة، وحوّل اليمنيين إلى رعايا بلا حقوق. صورة لا تختلف كثيرًا عما عرفته أوروبا في عصورها المظلمة، حين احتكرت الكنيسة تفسير النصوص، ومنحت صكوك الغفران لمن يطيع، وأقصت كل من يفكر خارج أسوارها. وكما تحررت أوروبا سياسيًا حين تحرر عقلها من الوصاية، كان سبتمبر لحظة تحرر للعقل اليمني، قبل أن يكون ثورة على الحكم الإمامي.
بعد أكثر من ستة عقود، يتكرر المشهد بوجه جديد. فالحوثيون، تحت شعار «الولاية»، يسعون لإحياء الفكرة ذاتها: سلطة مستمدة من النسب، وليست من العقد الاجتماعي. يوظفون المنابر، والمناهج، والإعلام لغرس تصور أن سلطتهم قدر سماوي لا يجوز الاعتراض عليه. مناهج التعليم أُعيدت صياغتها لتكرّس فكرة «ولاية الأمر»، وخطب الجمعة تحولت إلى منصات سياسية، فيما يُصوَّر أي نقد لهم كعداء للدين ذاته.
لكن خطورة المشروع الحوثي تتجاوز اليمن. فارتباطه العضوي بإيران يجعله امتدادًا لاستراتيجية «تصدير الثورة» التي أعلنها الخميني منذ عقود. في هذا التصور، لا تُرى الدولة الوطنية كغاية، بل كمرحلة عابرة على طريق حكم أوسع. سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية تمنحهم قدرة تهديد مباشرة لأحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق باب المندب، الذي يمر عبره ما يقارب 10% من التجارة العالمية ونسبة كبيرة من صادرات الطاقة. هذا البعد يجعل القضية أبعد من كونها شأنًا داخليًا يمنيًا.
تجربة العالم مع القاعدة وداعش تقدم درسًا واضحًا: تجاهل البذور الأولى للتطرف سمح لهما بالنمو حتى أصبحا تهديدًا عالميًا. واليوم يتكرر السيناريو. قد يختلف الخطاب المذهبي بين الحوثيين والجماعات الأخرى، لكن الفكرة الجوهرية واحدة: نظام ثيوقراطي مطلق يبرر القمع باسم العقيدة ويقسم المجتمع إلى «أتباع طائعين» و«خصوم خارجين عن الدين».
إرهاب الحوثي لا ينحصر في الداخل. فإلى جانب الانتهاكات الموثقة ضد الصحفيين والنساء والمعارضين، ومن بينها الاعتقالات التعسفية وتقييد حرية التنقل بفرض شرط «المَحرَم»، يسعى المشروع الحوثي إلى امتلاك أدوات ابتزاز إقليمي ودولي. الهجمات على ناقلات النفط في البحر الأحمر، واستهداف البنية التحتية في السعودية والإمارات، رسائل واضحة بأن الجماعة لا ترى في سيطرتها مجرد شأن محلي، بل ورقة ضغط عابرة للحدود.
لهذا تبدو العودة إلى سبتمبر اليوم أكثر من مجرد استذكار تاريخي. فالثورة لم تكن انتفاضة على سلطة قديمة فحسب، بل تأسيسًا لأول مدرسة نظامية، وأول جامعة، وبدايات مؤسسات مدنية جعلت التعليم والمواطنة والعمل حقوقًا لا هبات. كانت لحظة إعلان أن الانتماء للوطن يقوم على المساواة، لا على النسب أو الطبقة. واليوم، حين يُعاد إنتاج مشروع «الولاية» (ولاية النسب/الحق الإلهي)، يدرك اليمنيون أن معركة سبتمبر لم تنته، وأنها لم تكن حدثًا من الماضي، بل مسارًا مستمرًا يحدد مصير الدولة.
إن القيم التي جسدها سبتمبر — الحرية، المساواة، الكرامة — ليست شأنًا يمنيًا صرفًا. هي القيم نفسها التي خاضت من أجلها شعوب أوروبا معركتها ضد وصاية الكنيسة، وهي التي شكلت أساس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية. من هذا المنظور، الوقوف في وجه مشروع الحوثي ليس تضامنًا مع اليمنيين وحدهم، بل دفاعًا عن منظومة قيم كونية، وعن نظام دولي يقوم على سيادة الدول والمساواة بين الأمم.
ذكرى 26 سبتمبر، إذن، إشارة تحذير تتجاوز حدود اليمن. تقول هذه الذكرى إن الحرية لا تُمنح، وإن المساواة لا تُشترى، وإن التهاون مع مشروع يقوم على الحق الإلهي في الحكم يعني السماح بعودة الاستبداد في ثوب جديد. واليمنيون، كما فعلوا قبل ستة عقود، يقفون اليوم أمام لحظة فارقة: إما حماية جمهوريتهم وتجديد عقدهم الوطني، أو ترك الاستبداد يتمدد — لا على اليمن وحده، بل على المنطقة والعالم بأسره.
