توفيق الجند

باحث ومحرر صحفي
بعد معركة طويلة ودامية، تمكنت جيوش يحيى حميد الدين، بقيادة عبدالله الوزير، من السيطرة على قلعة المقاطرة عام 1921. كانت الحصيلة مئات القتلى والأسرى من أبناء المقاطرة. قطع قادة الجيش رؤوس القتلى، وأرغموا أقاربهم من الأسرى على حملها إلى صنعاء، وهم مقيدون بالسلاسل، حفاة، يسيرون على أقدامهم طيلة شهر كامل أو أكثر. وفي الوقت نفسه، هدم الجيش بيوتهم وهو يردد أهازيج: «يا حجرة اليهودي… روحي ولا تعودي». كل ذلك فقط لأنهم رفضوا الخضوع لحكم الكهنوت. هؤلاء الذين حاربوا الاحتلال التركي لعقود أصبحوا في نظر أئمة صنعاء “بغاة ويهود”.
هذه الخلفية ليست سوى تعريف مختصر بطبيعة نظام الأئمة الذي ثار عليه أبطال 26 سبتمبر 1962. القتل، هدم المنازل، والعنصرية السافرة كانت ماركة مسجلة باسمهم. ولا يشبههم في ذلك إلا من جاء بعدهم بالفكر والممارسة نفسها، حيث يكرر الحوثيون هذه الممارسات اليوم في مناطق سيطرتهم، باعتقال كل من يرفع علم الجمهورية أو يحتفي بثورته الخالدة، لأنها أوقفت كل هذا وقالت لليمني: أنت ابن الجمهورية والحرية والكرامة والمواطنة.
قبل الثورة بأيام، ومع توليه الحكم خلفًا لأبيه المتوفى بتاريخ 18 سبتمبر 1962 في تعز، ورغم خلافه على العرش مع عمه الحسن المقيم بأمريكا، كتب محمد البدر ـ آخر حكام السلالة، الذي لم يحكم أكثر من أسبوع واحد ـ لعمه الحسن رسالة يطلب منه العودة لتشارك السلطة، ساردًا أبرز التحديات أمام أسرة حميد الدين في تلك المرحلة. وكانت من وجهة نظره أن “حب الآل” قد تراجع في نفوس الرعية!
إن الفكرة المركزية لحكمهم كانت تكريس مفهوم “الولاية” والامتياز السلالي في عقول اليمنيين، حتى يتمكنوا من حكمهم باسم السماء. كانوا يعتبرون الحكم حقًا إلهيًا حصريًا لهم، يخولهم قتل وامتهان ونهب اليمنيين متى وكيف شاءوا، دون حساب ولا عقاب.
في سبيل ذلك، روّجوا كذبتهم الأثيرة بأنهم يحكمون اليمن منذ 1200 عام، وبالتالي فهو حق وراثي إلى جانب كونه حقًا إلهيًا، لا يجوز منازعتهم فيه. لكن الحقيقة أنهم حكموا لفترات متقطعة وفي مناطق محدودة، أحيانًا محصورة بمدينة صغيرة، وأحيانًا يتقاتل أكثر من إمام على حكم منطقة واحدة. وكل هذه الفترات مجتمعة بلغت 286 عامًا فقط، وفق ما أورده أحمد الأحصب في كتابه هوية السلطة في اليمن: جدل السياسة والتاريخ.
في إحدى الفترات، اندلعت حرب بين إمامين في صنعاء. وعندما تصالحا، قال أحدهما للآخر مهوّنًا الخسائر: «الحجر من القاع، والدم من رأس القبيلي». أي أن الضحايا على الجانبين هم من القبائل اليمنية، وليسوا من الهاشميين، وبالتالي لا تعد هذه خسائر من وجهة نظرهم.
لم تكن مأساة المقاطرة استثناءً. في تهامة عام 1929، وبعد انتصار جيش أحمد حميد الدين على قبائل الزرانيق، أجبر المواطنين على التنازل عن أراضيهم مقابل الإفراج عن الأسرى. وبعد كتابة التنازل، طردهم من أرضهم، وأعدم الأسرى أو أودعهم سجن حجة حتى ماتوا منسيين فيه بالمئات. أما من لم يكن لهم أسرى، فقد ظلوا يزرعون أراضيهم تحت ضغط إتاوات ثقيلة. فُرضت عليهم الزكاة، والعشر، والخُمس، وأجور أعوان الإمام. كان المندوب يقدّر المحصول بشكل مبالغ فيه: لو كان عشرة براميل ذرة، يسجلها أربعين أو خمسين. النتيجة أن الفلاح لا يجد ما يكفي لدفع ما يُطلب منه حتى لو سلم المحصول كله، ليظل مديونًا عامًا بعد عام. كثيرون لجأوا إلى الهجرة فرارًا من السجون.
قال البردوني إن النساء اليمنيات فجر الثورة كن يرددن بيتًا شعريًا يطالبن فيه أزواجهن وأقاربهن بالعودة، لأن عهدًا جديدًا بلا إتاوات قد بدأ:
«اليوم جمهرنا قد الكلام زين
عجّل وصولك، لا زكاة ولا دين»
لم يقتصر إذلال الأئمة على خصومهم من القبائل الثائرة، بل شمل حتى شيوخ القبائل الموالين لهم. فقد كان على كل شيخ، مهما علت مكانته، أن يختم رسائله أو برقياته للإمام بعبارة: «الحقير إلى الله… محبكم ومقبل أقدامكم».
خلال مجاعة ضربت اليمن في عهد يحيى حميد الدين، طلبت قبيلة خولان من الإمام، الذي طالما قاتلت إلى جانبه، أن يقرضها بعض الذرة من بيت المال لتبقى على قيد الحياة. كانت مخازن الذرة ممتلئة في منطقة جحانة بخولان نفسها، لكن الإمام أمر لهم ببعض الذرة من منطقة آنس. أي أن القبيلي الجائع عليه أن يمشي أيامًا تحت الشمس والجوع ليحمل على ظهره القوت، ثم يعيده العام التالي لبيت مال الإمام في آنس. كان ذلك إمعانًا في إذلالهم.
هل هناك أسباب أوضح من هذه الأمثلة، التي تكررت في كل مناطق شمال اليمن، للقيام بثورة؟ الحوثيون اليوم يعتقلون ويقمعون بعنف كل من يحتفي بثورة 26 سبتمبر، بهدف إعادة اليمنيين إلى ذلك الماضي نفسه، الذي يستلهمون منه تفجير منازل المعارضين وقتلهم وزجهم في السجون.
