26 سبتمبر  ثورة مستمرة ووعد مؤجل

منصور الصمدي

صحفي وكاتب

ليست صدفة أن يتزامن رفع علم «الجمهورية اليمنية» في ساحات «تورنتو» و«برلين» و«استكهولم» بين أيادي شباب يصدحون بصوت واحد: «رددي أيتها الدنيا نشيدي»، مع قيام شباب آخرين بإيقاد شعلة الثورة في ميادين «تعز» و«مأرب» و«سيئون» وعلى أسطح المنازل وقمم الجبال في أقاصي الريف اليمني في وقت واحد .. بل إنها صورة بصرية بليغة تتجاوز حدود الجغرافيا واختلاف الأزمنة، لجيل في المنافي، وآخر في الداخل يحتفيان معاً بذكرى ثورة وطنهم الـ(26) من سبتمبر (1962) المجيدة، ليثبتوا للعالم حقيقة إيمانهم وتمسكهم بجمهوريتهم، مؤكدين أن الثورة التي مر عليها (63) عاماً لا تزال فتية ومستمرة، ولم تشخ بعد.

لم تكن الثورة السبتمبرية مجرد إسقاط لطاغية كهنوتي مستبد معتل بـ«الحق الإلهي»، بل كانت لحظة فاصلة طوت قروناً من الظلم والقهر والقمع والتجهيل والانغلاق، وفتحت لليمنيين آفاقاً أوسع وأرحب تنفسوا من خلالها معاني الكرامة والحرية والعدالة والمساواة .. ولم تكن أيضاً مجرد بياناً أذيع عبر أثير «إذاعة صنعاء»، بل كانت عقداً جديداً مع المستقبل، عقداً بات يتجدد كل عام، سيما بعد أن أعاد التاريخ بسخريته المأساوية في انقلاب (2014) المشؤوم تلك النسخة المشوهة من الماضي، والذي بفعله تمكنت ذات الأشباح القديمة وبكل ما تحمله من أفكار سوداوية عتيقة من نسف كل مكتسبات الثورة، ونظامها الجمهوري، وإعادة «اليمن» إلى عصور الاستبداد والكهانة والانغلاق.

اليوم تحل علينا الذكرى الـ(63) لهذه الثورة العظيمة، ليس كذكرى عابرة يتغنى بها في نشرات الأخبار أو الخطب الرسمية، ولا كحنين تبعثه الأغاني الوطنية، بل كبوصلة حية في وجدان جميع اليمنيين بمختلف مشاربهم، خصوصاً أولئك الشباب الذين شتتهم الحروب في أصقاع الأرض .. والذين لم يعد الاغتراب بالنسبة لهم مجرد بعد عن الوطن، بل أضحى ساحة نضال جديدة تدون فيها ملحمة الجمهورية، وقوة ناعمة تحفظ إرث سبتمبر .. كما لم يعد الشتات بالنسبة لهم فقداناً، بل طاقة وقوة دفع مضاعفة .. حيث نجد اليوم السياسي منهم، والصحفي، والطالب، واللاجئ، والأديب، والفنان، جميعهم يعدون أنفسهم امتداداً لثوار الأمس، يجمعهم هدف واحد هو حماية قيم الثورة من النسيان والتزييف.

لقد مثلت حالة الارتداد تلك التي شهدناها في (2014) صدمة مدوية، كانت كافية لتوقظ في الأجيال الجديدة حقيقة أن معركتهم اليوم ليست جديدة، بل إنها امتداد لمعركة الأجداد التي لم تكتمل، ولم تنته بعد .. لذلك نجد غالبية المتواجدين منهم في بلدان الشتات مكرسين جهودهم وأنشطتهم على مدار العام لإطلاق الحملات المضادة، التي تفكك سرديات مليشيا الانقلاب الحوثي السلالية، وتعري حقيقة مشروعها الظلامي الذي استلهم سماته من نظام الإمامة الكهنوتي البائد القائم على مغالطات ماضوية رجعية كـ«الحق الإلهي في الحكم – والاصطفاء السلالي» .. ولنا في الحملات الرقمية التي يشعلون بها منصات التواصل كل عام تحت وسم ثورية مختلفة تتغنى بالثورة وتتوعد بالانتصار للجمهورية، وكذا توحيدهم إطارات صورهم الشخصية بشارات وشعارات «26 سبتمبر»، خير دليل على إيمانهم بفكرة أن الثورة عقد اجتماعي يتجدد بالوعي والتعبئة والمقاومة.

ولم يتوقف بهم الحال عند ذلك وحسب، بل إن الكثيرين منهم سعوا لتأسيس منظمات، ومبادرات حقوقية، وروابط طلابية ومهنية، وملتقيات ثقافية، وكرسوا أنشطتها لتعرية مشروع الإمامة الجديد، والدفاع عن الثورة السبتمبرية من خلال إقامة الندوات، ومعارض الصور، وإصدار التقارير التي توثق الانتهاكات، وإنتاج الأفلام القصيرة، واعداد الدراسات والأبحاث، وكتابة المقالات والقصص، وتنفيذ حملات التضامن .. كما حولوها إلى قنوات تواصل مع الصحافة والمنظمات الدولية ومراكز الأبحاث .. وآخرون جعلوا من الفن أداة لخلق ذاكرة جماعية لا تمحى، من خلال كتابة القصائد، وإنتاج الأغاني والأناشيد والزوامل، مشكلين بذلك، ورغم تباعدهم الجغرافي، شبكة مقاومة ثقافية ومنابر إعلامية مؤثرة، تعيد تعريف الوجود اليمني لا كجاليات تكافح من أجل العيش، بل كقوة ضغط وصوت لحق مغيب.

أما المفارقة المدهشة أن كل محاولات مليشيا الحوثي الإرهابية لإطفاء جذوة هذه الثورة، تحولت إلى وقود آخر يذكيها .. فحين حظرت الأناشيد، تغنى بها الناس في بيوتهم سراً .. وحين جرمت إيقاد الشعلة، أضاءت آلاف الأسطح والقرى والجبال بمشاعل صغيرة تشبه مصابيح الأمل .. وحين قضت على التعددية، وقمعت الحريات، وصادرت الحقوق، انفجر صدى التنديد والاستنكار في أصقاع العالم .. وحين سرقت المتاحف، وغيرت أسماء الشوارع والمدارس، واستبدلت المناهج، ودجنت الذاكرة الوطنية، أثبتت من حيث لا تدري أن سبتمبر لم يمت، إذ سرعان ما صدمت بجيل جديد مستنير يخوض ضدها معركة وعي شرسة بمختلف الأدوات، حيث اندفع بكل شغف لقراءة تاريخ الثورة، وتحليل أخطائها، واستلهام روحها، وتبصير الشعب بسردياتها الأصلية، ثم راح يجمع الوثائق والشهادات، استعداداً للقيام بثورة جديدة تستأصل الإمامة من جذورها.

أما الأمر الأكثر اشراقاً في هذا المشهد فهو أن ثورة سبتمبر اليوم وفي ذكراها الـ(63) لم تعد حدثاً تاريخياً عابراً يستعرض في صفحات التواصل الاجتماعي .. بل اضحت مشروع حياة ونضال مستمر يتجدد في كل فعل شبابي، وفي كل حملة إعلامية، وكل فعالية ثقافية، وكل مبادرة حقوقية ترفض الاستسلام لمشروع الإمامة بوجهها الجديد .. كما إنها لم ماضياً ساكناً كغيرها من الاحداث التاريخية، بل صارت بمثابة عقد اجتماعي مع المستقبل يتجدد مع كل جيل، خصوصا كلما حاولت اشباح الماضي البائد طمسه أو مصادرته .. وهي وعد مؤجل بدولة مدنية لا مكان فيها للطبقية أو الاصطفاء، دولة تنتمي فيها الحرية والكرامة إلى الإنسان لا إلى السلالة، وتتحقق فيها العدالة والمساواة باعتبارهما الحق الأول لا منحة مؤجلة .. لذلك فإن معركتنا مع مليشيا الحوثي، اليوم ليست سوى امتداد مباشر لمعركة الآباء ضد الإمامة الأولى، وهي معركة مفتوحة لا نهاية لها الا بإعادة ارساء مداميك النظام الجمهوري بكل مبادئه وقيمه وثوابته ومكتسباته، ووأد مشروع الكهانة والإمامة الأبد.

وإذا كان جيل ثوار (1962) قد رسم بدمه الطريق نحو الحرية، فإن جيل ما بعد (2014) في الداخل وفي الشتات بات حاملاً الراية اليوم بوعي جديد، حيث صار ينظر إلى الثورة لا كذكرى عاطفية، بل كمشروع حياة وبقاء لا يحتمل المساس، وقيمة يومية تمارس بالفعل والمقاومة والتضحية والفكر .. شباب اليوم باتوا يدركون أكثر من أي وقت مضى أن سبتمبر لم يكتمل بعد، لكنه لم يمت أيضاً، كما باتوا يعون جيداً أن مسئولية الحفاظ على إرثه لا تعني فقط تخليد الماضي، بل إعادة صياغة المستقبل على أسس أكثر قوة وصلابة وعمقاً .. وعندما توقد شعلة سبتمبر على أسطح المنازل في أرياف «عتمة» و«المسيلة» و«مران»، وتعانق الأعلام سماء «باريس» و«أمستردام» و«الرياض»، فإنها لا تحتفي بذكرى وحسب، بل تبشر بوعد جديد .. وعد يحمل معه يمن جمهوري يليق بتضحيات الأجداد، ويستعيد من بين أنقاض الحرب، وانياب اللصوص جوهر الدولة التي تتسع للجميع.