26سبتمبر من عطلة رسمية إلى فعل مقاومة وهوية وطنية

رشا كافي

كاتبة ومدافعة عن حقوق الإنسان والمرأة

على مدى خمسة عقود من عمر ثورة ٢٦ سبتمبر المجيدة، اعتبرناها ذكرى سنوية ومناسبة نحتفي بها كعطلة رسمية، ترافقها بعض الأناشيد الوطنية على القناة الرسمية، وخطاب رئاسي، وعرض عسكري في ميدان السبعين. لم نكن ندرك عظمة هذا اليوم بمعناه الحقيقي حتى انقلبت مليشيا الحوثي على السلطة عام ٢٠١٤، وأظهرت ممارسات عدائية ضد كل ما له علاقة بالجمهورية وقيمها الديمقراطية ومكتسبات ثورة سبتمبر. حينها فقط استعدنا القيمة الجوهرية لسبتمبر: أنه ليس مجرد ثورة ضد نظام ملكي قديم، بل تأسيس لوعي جمعي لا يقبل العودة إلى العبودية أو الفرز الطبقي البغيض.

واليوم، ونحن نعيش تحت انقلاب مليشيا الحوثي، ندرك أكثر من أي وقت مضى معنى سبتمبر. الحوثي يعيد إنتاج الماضي بكل تفاصيله: يحيي خطاب الاصطفاء السلالي، ويبرر سلطته بالحق الإلهي، ويصادر حقوق المرأة باسم الدين والعادات، ويقمع المجتمع كما فعل الأئمة من قبل.

إن انقلاب الحوثي وممارساته القمعية بحق المواطنين، ومحاولاته المستميتة لطمس كل ما يتعلق بثورة سبتمبر وقيم النظام الجمهوري، أعاد إحياء روح سبتمبر في قلوب اليمنيين من جديد. بل جعلهم أكثر تمسكًا اليوم بجمهوريتهم الخالدة. فكل ظلم يُرتكب، وكل قيد يُفرض، يذكّر اليمنيين بالسؤال الجوهري: لماذا ثار أجدادنا عام 1962؟ وهنا تكمن المفارقة: إحياء ذكرى سبتمبر اليوم هو إعلان هوية، وأحد أفعال المقاومة في وجه الكهنوت. إنه تأكيد أننا أبناء الجمهورية، وأننا لن نسمح بمصادرة تضحيات الشهداء الذين أسقطوا الإمامة قبل أكثر من ستة عقود.

سبتمبر اليوم ليس مجرد تاريخ، بل هوية نتمسك بها كل يوم، ونعلن من خلالها رفضنا للظلم والاستبداد. وفي زمن الحوثي، صار سبتمبر أكثر وضوحًا وأكثر معنى، لأنه ببساطة يذكرنا بما كنا سنخسره لو لم تندلع تلك الثورة العظيمة.

بالنسبة لي كامرأة يمنية، لا أتعامل مع ذكرى سبتمبر كحدث سياسي فحسب، بل كلحظة ميلاد شخصي ومعنوي. قبل الثورة كانت المرأة اليمنية محجوبة عن أبسط حقوقها، مسلوبة الصوت، ممنوعة من التعليم والمشاركة في الحياة العامة، وكأنها كائن غير مرئي. جاءت ثورة سبتمبر لتكسر هذا الحاجز، وتفتح لنا الأبواب نحو التعليم والعمل والمشاركة، ولتؤكد بوضوح أن المرأة مواطنة كاملة وليست تابعًا أو هامشًا.

كإمرأة يمنية، أشعر أن معركة سبتمبر ما تزال مستمرة. فالحوثي يصر على إعادة المرأة إلى العزلة والتهميش، وكأن كل ما تحقق لنا منذ 1962 مجرد استثناء مؤقت. لكنني مؤمنة أن روح سبتمبر حية، وستظل تلهمنا جميعًا، رجالًا ونساءً، لمواجهة هذا الانقلاب بالروح نفسها التي واجه بها أجدادنا حكم الإمام.

لقد أنجزت سبتمبر الكثير لنا جميعًا: أسقطت الحكم الكهنوتي، رفعت شعار الجمهورية، وأعادت تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس المواطنة لا الحق الإلهي. أنشأت المدارس والجامعات، وبدأت خطوات بناء مؤسسات الدولة الحديثة، رغم العثرات والحروب التي واجهتها. والأهم أنها خلقت وعيًا وطنيًا جديدًا، جعل اليمنيين يشعرون بأنهم أحرار لا رعايا.

اليوم، سبتمبر ليس ذكرى فحسب، بل فعل مقاومة وهوية وطنية متجددة، يذكّرنا بأننا أبناء الجمهورية، وأننا لن نسمح بعودة الاستبداد، وأن التضحيات التي قدمها الأحرار ستظل بوصلتنا نحو مستقبل أكثر عدلًا وحرية وكرامة.