من الإمامة إلى الاستعمار.. كيف وحّدت ثورتا سبتمبر وأكتوبر اليمنيين؟

د. عبدالله عوبل

شاعر وكاتب – وزير الثقافة اليمني الأسبق

في تاريخ اليمن الحديث يمكن رصد مواقف كثيرة من التعاضد والتكامل بين أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا أثناء إنجاز فعل الثورة التحررية من الإمامة والاستعمار، وكانت الهوية اليمنية الواحدة ومنظومة القيم الثورية الواحدة تتجسد بوضوح في هذا الإنجاز وهو التحرر من نظام حكم ثيوقراطي في الشمال، ومن الاحتلال البريطاني للجنوب. ولا يمكن الحديث عن تاريخ ثورتي سبتمبر وأكتوبر دون ذكر وحدة الثوار من الجنوب والشمال ومبادراتهم الطوعية للدفاع عن الجمهورية والاستقلال. وهذا ينفي الدعوات التي تتحدث عن جنوب عربي، بل وتتخلى عن الانتماء لليمن الكبير، متناسية وقائع التاريخ وأحداثه القريبة. كان اليمن في العصر الحديث يرزح تحت احتلالين: احتلال داخلي كهنوتي قائم على التفويض الإلهي في الشمال، واحتلال أجنبي بريطاني للجنوب. احتلالان أسقطهما الشعب في ثورتي سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963. كان اليمن منقسمًا جغرافيًا وعلى مستوى نظم الحكم بين شمال وجنوب، لكن الشعب الذي عانى طويلًا من إدارة الدولة بعقلية الإمام وفق نظرية الاصطفاء العنصرية (نسبهم إلى فاطمة بنت النبي) والتفويض الإلهي في الشمال، والكانتونات السلاطينية شبه الإقطاعية في الجنوب، فيما حصلت المستعمرة عدن بحكم موقعها الجغرافي وميناؤها الاستراتيجي على تطور مهم لخدمة القاعدة البريطانية الأولى في الشرق الأوسط منذ الخمسينيات من القرن العشرين. شهدت المدينة تأسيس البنوك والشركات والنقابات والجمعيات والصحف والأحزاب وتحولت إلى سوق حرة نشطة، فكانت واحدة من المدن الهامة في الشرق الأوسط. لكن هذا الانقسام على مستوى الشمال الملكي والجنوب السلاطيني الريفي لم يكن ليمنع الروابط الاجتماعية والثقافية والعائلية والوطنية بين أبناء الشعب اليمني. لم تكن في صنعاء نخب حديثة ولا انتليجنسيا بالمعنى المعاصر، لكن كانت هناك نخبة دينية هي مخرجات نظام التعليم الديني (الكتاتيب) الذي كان محدودًا، فيما كانت الأمية والجوع والفقر والمرض تفتك بالشعب. من بين هذه النخب الدينية خرجت المعارضة السياسية للحكم الإمامي الثيوقراطي. وبطبيعة الحال فإن الإمام لا يمكن أن يسمح بوجود أي نوع من أنواع المعارضة السياسية. لذلك فقد شهدت صنعاء مأساة الثورة الدستورية عام 1948، حيث أدى انشقاق في العائلة المالكة إلى تمرد ابن عم الإمام الذي تواصل سرًّا مع شخصيات دينية كانت قد لجأت إلى عدن المستعمرة البريطانية. وفي صنعاء شكّل خلية معارضة سرية ضد حكم الإمام يحيى حميد الدين من مجموعة صغيرة من الضباط الذين عادوا للتو من دورة تدريبية في العراق. أعدّت الخلية في عدن وثيقة دستورية. ولكن الإمام اكتشف أمر ابن عمه قبل إعلان الثورة، فقتل بعضهم وأودع البعض الآخر في سجون رهيبة. هرب بعض رجال الدين المعارضين، منهم الشاعر محمد محمود الزبيري الذي يشبه ابن خلدون في علاقته مع القبائل، ورجل السياسة والفكر أحمد محمد نعمان. فيما كرر الضباط التمرد على الإمام عام 1955 لكن ثورتهم فشلت وسيقوا إلى ساحات الإعدام والسجون. شكّل الزبيري والنعمان ثنائيًا سياسيًا مهمًا في عدن، بقي في ذاكرة اليمنيين إلى اليوم. هنا أسسوا “الاتحاد اليمني” منبرًا سياسيًا معارضًا لحكم الإمام وعددًا من النوادي والجمعيات التي مارست نشاطًا سياسيًا وثقافيًا موجهًا ضد الحكم الإمامي في صنعاء. كان واحدًا من أهم عوامل الترابط الاجتماعي والثقافي هو هروب قضاة كبار من بطش الإمام إلى السلطنات والمشيخات الجنوبية، يبين ذلك أن لا فوارق دينية بين الزيدية والشافعية، فقد شغل القاضي علي الضبة من صنعاء قاضيًا لسلطنة العوالق السفلى في أحور، فيما كان القاضي عبد الكريم العنسي من ذمار قاضي قضاة السلطنة الفضلية في أبين. إن ما يجري اليوم من قبل الحوثيين هو تجريف للهوية الثقافية والدينية، وتكريس انقسام طائفي مصطنع، في وقت كان قد اندمج فيه المذهبان، ولم تعد بينهما فوارق مهمة، ويقال إن الزيدية هي أقرب المذاهب إلى السنة. فلا أحد كان يسأل عن هوية القاضي ولا مراجع ولا حوزات. الترابط الاجتماعي والعائلي بين اليمنيين كان مفيدًا لقوى المعارضة السياسية. فكلما ضاق الخناق عليهم من قبل حكم الإمام انتقلوا إلى المستعمرة عدن، بسبب وجود الحريات والصحف والمنابر السياسية. وسنرى في سياق هذا السرد انتقالًا مشابهًا للمعارضة للاستعمار البريطاني في عدن. فقد لجأ الزعيم اليساري عبدالله باذيب إلى تعز مقر حكم الإمام أحمد، وأسس صحيفة معارضة هناك. لم يتوقف رفض اليمنيين للحكم الملكي الثيوقراطي الجائر. كان الضباط الذين تدربوا في العراق ومثقفون دينيون وطلاب قد شاهدوا مجتمعات عصرية وبنى تحتية وخدمات كان اليمنيون محرومين منها في ظل عزلة اليمن عن العالم وخوف الإمام من أي تحديث يقضي على الخرافات التي يستند إليها لترويض الشعب الغارق في الأمية والجهل والأوبئة التي كانت تفتك بالناس. كانت نسبة الأمية تقترب من 98% من السكان، لا توجد طرقات ولا شبكة مياه صالحة للشرب، أما موارد الدولة فقد كانت تذهب للإمام، بحيث كانت خزينة الدولة هي خزينة الإمام. كانت كل عوامل التخلف هذه سببًا لقيام ثورة 26 سبتمبر 1962، التي قادها الضباط الأحرار بقيادة الرئيس عبدالله السلال، وهو الضابط الذي سجن لمشاركته في المحاولتين السابقتين ثورتي 1948 و1955. أُعلن في صنعاء الإطاحة بالحكم الملكي، وأقيم على أنقاض ما كان يعرف بالمملكة المتوكلية نظام جمهوري جديد “الجمهورية العربية اليمنية”. وقد وصف الشاعر الثائر محمد محمود الزبيري يوم السادس والعشرين من سبتمبر بقوله: “يوم من الدهر لم تصنع أشعته شمس الضحى – بل صنعناه بأيدينا”. تعرضت الجمهورية الوليدة إلى حرب طويلة لإعادة الملكية بدعم إقليمي ودولي، صمد الجمهوريون ثماني سنوات يدافعون عن الجمهورية، حتى تم فتح الحصار في 1970 وبقيت الجمهورية، بمساعدة شعبية من سكان مدينة صنعاء حيث لعب التجار الصغار والحرفيون إلى جانب آلاف المقاتلين الذين جاءوا من الجنوب للقتال ضد الملكيين. لقد تجسدت وحدة المجتمع اليمني في الدفاع عن ثورة سبتمبر والجمهورية، رغم أن الجنوب كان تحت الاحتلال البريطاني. لم تتوقف أفواج المقاتلين القادمين من عدن وسلطنات الجنوب بأسلحتهم الشخصية طيلة السنوات الثماني، وقتل كثيرون منهم في تجسيد ساطع لمعنى الوطنية اليمنية، وعشق الحرية ووقوف اليمني إلى جانب أخيه لانتصار إرادة الثورة. عندما يجري الحديث عن تكامل الثورتين – سبتمبر 1962 ضد الحكم الإمامي الثيوقراطي، وثورة 14 أكتوبر 1963 في الجنوب التي توجت بتحقيق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967 – فإننا نتحدث عن شعب واحد، عامة الشعب، الذي شارك في صنع الثورة. فقد دافع الجنوبيون إلى جانب إخوانهم ثوار سبتمبر عن الجمهورية، وشارك ثوار شماليون في ثورة أكتوبر. وكما شارك المواطنون من كافة المناطق اليمنية، كانت المدن والجغرافيا حاضنة قوية للثوار. يقول المناضل علي عنتر رحمه الله، وهو واحد من كبار قادة الجبهة القومية لتحرير الجنوب، في إحدى الفيديوهات المتداولة: “لولا ثورة سبتمبر لما استطعنا أن نحقق ثورتنا ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب. كانت عدن حاضنة للثوار اليمنيين منذ نهاية الأربعينيات من القرن العشرين حتى إعلان الجمهورية في صنعاء، وكانت تعز وصنعاء حاضنتين للثوار القادمين من الجنوب”. إن تعز كانت مقرًا للثوار الجنوبيين ومنها انطلق العمل النضالي لتحرير الجنوب. في تعز كانت قيادتا الجبهة القومية وجبهة التحرير، ومن هناك كانت الجبهتان تتلقيان الدعم المصري بالسلاح، ومن تعز كان الثوار ينقلون السلاح إلى عدن. يروي الأستاذ محمد سالم باسندوه، الشخصية الثانية في قيادة جبهة التحرير للجنوب اليمني المحتل (FLOSY)، في كتابه البداية – النضال من أجل الاستقلال، أنه كان يخبئ السلاح في سيارته الخاصة وينقله من تعز إلى عدن وسط مخاطر أن يكتشفها الإنجليز، ويوزعها على الفدائيين في مختلف أحياء عدن. للهروب من بطش الإمام وبعض الظلم في الشمال بعد الثورة كانت عدن هي الوجهة الآمنة، وكان الهروب من عدن لمقاومة الاحتلال البريطاني، وبعد الاستقلال كانت صنعاء وتعز هما الملجأ للفارين جراء الحروب الأهلية منذ 1967 إلى 1986. لذلك فإن كل الحديث الذي يتردد اليوم عن إنكار الصلة والتواصل بين الجنوب والشمال هو مجرد غطاء دعائي للمصالح الضيقة لبعض القوى التي تريد أن تتسيد على الجنوب، تحت ذرائع الظلم الذي جرى بعد الوحدة في 22 مايو 1990 والحرب الظالمة غير المبررة عام 1994 التي ارتكبها نظام صالح ونهب ممتلكات الدولة وإقصاء الجنوبيين من الوظيفة العامة وغيرها من السلوكيات التي تنتمي إلى عقلية المنتصر القبلية. إنها ذنب القيادات التي تربعت على السلطة بعد الوحدة، وليس ذنب الوحدة كإنجاز تاريخي عظيم في نهاية القرن العشرين. في المحصلة، ثورتا سبتمبر وأكتوبر ليستا حدثين منفصلين، بل ثورة واحدة ضد الاستبداد الداخلي والخارجي، وتجسيد لوحدة اليمنيين شمالًا وجنوبًا في مواجهة الإمامة والاستعمار. وما يجري اليوم من محاولات للتشكيك في هذه الروابط هو نتاج صراعات سياسية ضيقة لا يلغي حقيقة أن وحدة المصير والنضال كانت وستبقى من أبرز سمات التاريخ اليمني الحديث.