السفير مروان علي نعمان

نائب المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة سابقا
مثّلت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 محطة تاريخية فارقة في حياة الشعب اليمني وتاريخه المعاصر، إذ نقلته من عصور التخلف والقهر والفقر والمرض والكهنوت التي فرضتها الإمامة، إلى عصر التنوير والتطوير والمساواة بين أفراد الشعب اليمني التواق لمواكبة الحداثة والتقدم أسوة بالشعوب العربية والعالمية الأخرى.
وقد شكّل الهدف الأول من أهداف الثورة الستة إشارة واضحة إلى الظلم والاستبداد الطبقي الذي عاشته اليمن خلال عصور حكم الأئمة المظلمة، حيث أكّد هذا الهدف على التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.
لقد كان للمغترب اليمني في الخارج دور محوري كرافعة مهمة في دعم ثورة 26 سبتمبر المجيدة، من خلال أوجه متعددة شملت الدعم والتمويل المالي، والدعم الثقافي والإعلامي والصحفي عبر طباعة الصحف اليمنية وتوزيع المنشورات والكتيبات وتمويل الثوار بالمطابع. كما ساهم في تعريف الجمهور العربي والدولي بالأوضاع في اليمن، وكشف جرائم الإمامة، وشرح دوافع الضباط الأحرار للثورة ضد الحكم الإمامي المستبد.
ولم يقتصر دور المغتربين على دعم الثورة، بل امتد إلى دعم المؤسسات الوطنية الجديدة التي أُنشئت عقبها، مثل البنك اليمني للإنشاء والتعمير وشركة التبغ والكبريت الوطنية، عبر شراء الأسهم والاكتتاب فيها. كيف لا، والثورة قامت أصلًا ضد ظروف القهر والفاقة التي دفعت باليمني إلى الغربة وترك الأرض والوطن.
وفي الخارج، وبدعم واسع من المغتربين، برزت أهم التنظيمات السياسية المناوئة للإمامة والتي شكلت الأساس السياسي والفكري لثورة سبتمبر، مثل المؤتمر الطلابي العام الدائم، والرابطة الطلابية اليمنية الموحّدة، إلى جانب تيار الحركة القومية والاتحاد اليمني. وقد أصدرت هذه التنظيمات العديد من الكتيبات والنشرات المناهضة للإمامة في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب، مثل كتاب النعمان «كيف نفهم القضية اليمنية»، وكتاب الزبيري «مؤامرات الاستعمار ضد الوحدة اليمنية».
وعندما يذكر دور المغترب اليمني في دعم الثورة، يتبادر إلى الذهن العديد من الرواد الذين أبلوا بلاءً حسنًا وكان لهم السبق في العطاء. من هؤلاء المغترب عبدالغني مطهر العريقي الذي عاد من المهجر في إثيوبيا إلى اليمن، وسخّر نشاطه التجاري لمناهضة الإمام أحمد، كما جمع التبرعات من التجار الآخرين لدعم الضباط الأحرار. وهناك أيضًا الشيخ عبدالله الحكيمي، الذي أسهم في الثورة من مقر إقامته في كاردف البريطانية، وأصدر صحيفة السلام المناهضة للإمامة.
اليوم، ومع عودة الإمامة بثوبها الجديد المتمثل في مليشيات الحوثي الإرهابية، التي تسعى لإحياء الحكم الإمامي البائد بذريعة الحق الإلهي، تجددت موجات الاغتراب اليمني، ولم تعد تقتصر على الهجرة شمالًا، بل امتدت إلى مختلف أصقاع الأرض. إلا أن المختلف هذه المرة أن الشباب اليمني في بلدان المهجر بات أكثر نضجًا وتعليمًا ووعيًا بخطر الإمامة، وأكثر قدرة على مخاطبة العالم وتعريفه بالمأساة اليمنية، إذ تؤكد دروس التاريخ الحديث أن الإمامة والتطور نقيضان لا يجتمعان.
في الولايات المتحدة مثلًا، يسهم الشباب المغترب من أصول يمنية في التعريف ببلادهم من خلال التجارة والاستثمار في مجالات متنوعة، ولا سيما عبر المقاهي والمطاعم اليمنية التي تروّج للبن اليمني والعسل والأطعمة التقليدية. وهي إذ تُعرّف الجمهور الأمريكي بالحضارة اليمنية العريقة، تؤكد في الوقت نفسه أن هناك بلدًا اسمه اليمن لا تمثله مليشيات الحوثي التي لا تقبل بالآخر ولا تعيش إلا على الحرب والدمار.
كما أن الازدهار التجاري للمغتربين يشكّل رافدًا اقتصاديًا مهمًا للداخل اليمني الذي يعاني الفقر والمرض جراء سياسات الإمامة بثوبها الجديد. وتشير التقديرات إلى أن تحويلات المغتربين اليمنيين في عام 2023 بلغت نحو 5.6 مليار دولار، ما يشكّل شريان حياة للاقتصاد الوطني ومصدر استقرار أساسي لملايين الأسر خلال سنوات الحرب.
لقد جرت بين ثورة سبتمبر 1962 والذكرى الـ63 للثورة الخالدة أحداث وتحولات كبرى، لكن الثابت أن الشعب اليمني الذي عاش أقسى ظروف الجهل والفقر والمرض في القرنين التاسع عشر والعشرين استطاع أن يثور ويكسر قيود الإمامة المستبدة. واليوم، فإن شباب اليمن الأكثر وعيًا وتعليمًا وثقافة، بفضل ما أتاحته ثورة سبتمبر من فرص، قادرون على الوقوف بصلابة في مواجهة الإمامة الجديدة، حتى لو سعت إلى التستر خلف شعارات الجمهورية.
وسيظل المغترب اليمني داعمًا لنضالات شعبه في الداخل بكل الوسائل، لأن أيدي الإمامة الجديدة لا يمكنها أن تحجب شمس سبتمبر التي أشرقت بجهود اليمنيين الأحرار، وستظل تضيء دربهم جيلاً بعد جيل.
