سماح سبيع

محامية ومدافعة عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان
نقترب اليوم من مرور أحد عشر عامًا على عودة الإمامة بثوبها الجديد، وانقضاضها على الدولة اليمنية التي دفع اليمنيون أثمانًا باهظة ليصلوا إليها. لم يُمهلنا هؤلاء “الإماميون الجدد” الذين خرجوا من غبار التاريخ أي فرصة للتنفس. فقد صادروا مبكرًا ثمار ثورة 26 سبتمبر المجيدة، التي تُعد أهم ثورة في العصر الحديث. لم تكن هذه الثورة حدثًا عابرًا، بل قامت ضد أولئك المدّعين النيابة عن الله وما صاحب ذلك من استعباد لليمنيين باسم هذا الادعاء.
لقد كانت ثورة سبتمبر طوق نجاة؛ إذ أرسَت مبادئ المساواة وأزالت الفوارق الطبقية، وأظهرت تسامحًا كبيرًا مع ما ارتكبه أسلاف الأئمة من جرائم بحق أبناء الشعب على مدى قرون، قبل أن تكون طوق نجاة لكل اليمنيين. غير أن هؤلاء لم يقدّروا ذلك التسامح، فأقدموا على انقلابهم الكارثي، انقلاب اتسم بالعداء الصريح لليمن واليمنيين. ولولا مباركة طيف واسع من الأحزاب السياسية التي كانت شريكة في الدولة المنقلب عليها، “لما استطاعت هذه الجماعة أن تتقدم شبرًا خارج صعدة”. لكنها كانت خيانة لا تُغتفر، أفضت إلى تمزيق اليمن وتشريد اليمنيين في أصقاع الأرض.
ورغم الصعوبات، حققت الثورة ودولتها بعض المكاسب المهمة، ولو بشكل تدريجي وبطيء مقارنة بمحيطنا الإقليمي والدولي. لكن مع ذلك تمكن اليمنيون من تحقيق قفزات في مجالات متعددة. بل إننا سبقنا بعض الدول المجاورة في قضايا جوهرية، وعلى سبيل المثال ما يتعلق بحقوق المرأة: فقد نصّ القانون اليمني على حق المرأة في منح جنسيتها لأبنائها، وهو ما لم يكن متاحًا في أي قانون عربي آنذاك. كما أُلغي ما عُرف بـ“بيت الطاعة”، وهو النص الذي لا يزال يُطبق في بعض البلدان العربية حتى اليوم، وكان يسمح بجرّ المرأة قسرًا إلى بيت الزوجية، في امتهان فاضح لكرامتها وإنسانيتها. كذلك بدأت الدولة بخطوات جدية نحو الفصل بين السلطات، وتجلى ذلك خصوصًا في استقلال السلطة القضائية إداريًا وماليًا عن السلطة التنفيذية. كما شهدت البلاد تحسنًا ملموسًا في مجال الحقوق والحريات وحرية الصحافة، وبرزت الرقابة المدنية والمجتمعية كممارسة واقعية.
إن تاريخ اليمنيين مع الإمامة معروف، وقد وثّقته مؤلفات وشهادات من عايشوا تلك الحقبة المظلمة. واليوم نرى ممارسات مماثلة من قبل “الحشاشين الجدد” – الحوثيين. أما تجربتي الشخصية كمحامية تابعت مئات الانتهاكات ضد حقوق الإنسان، فهي تكشف واقعًا يفوق التصور وحشية. فمنذ أن اقتحمت هذه الجماعة مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر 2014، اتجهت خطواتها مباشرة نحو اقتحام حياتنا اليومية، فبدأ اليمنيون يفقدون تدريجيًا مكتسبات ثورة 26 سبتمبر. وكان أول مظاهر ذلك قطع المرتبات عن آلاف الموظفين، لإخضاعهم ماديًا ومعنويًا. ثم توالت الانتهاكات على الحريات التي اعتبرها دستور ثورة سبتمبر من أعظم المقدسات: اقتحام منازل المدنيين، اعتقالهم، وممارسة جريمة الاختفاء القسري بحق المئات.
أما على صعيد الطفولة، فقد استهدفت هذه الجماعة النشء بالتجنيد والزج بهم في محارق الحرب. ومن أبشع ما وثقته شهادة طفل يتيم لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، جرى استغلاله جنسيًا على يد أفراد في إحدى الجبهات الحدودية. حاول مرارًا الهروب، لكن والدته – غير العارفة بما يجري – كانت تعيده إلى المشرف المحلي. ذلك الطفل، بعينيه الخضراوين ودموعه المنهمرة، أكد أن أسعد لحظاته كانت عندما تقصف طائرات التحالف مواقع الحوثيين، إذ كان ذلك يمنحه نافذة ضئيلة للنجاة. هذه ليست قصة وحيدة، بل واحدة من مئات القضايا التي لاحقتني حتى قررت ألا أنجب، بعدما وصلتني ملفات أطفال تعرضوا لانتهاكات مروّعة، منها قضية طفل في التاسعة اغتُصب على يد عنصر في “الأمن الوقائي” التابع للجماعة. وقد أرغمت أسرته المعدمة على التنازل عن القضية، التي تصل عقوبتها إلى خمسة عشر عامًا إذا كان المجني عليه قاصرًا، مقابل خمسمائة ألف ريال فقط قبل جلسة النطق بالحكم.
أما المرأة اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين، فلم تكن بمنأى عن الاستهداف منذ اللحظة الأولى. لا أنسى أحداث 8 أكتوبر حين خرجت نساء في “ثورة الجياع” احتجاجًا على الأوضاع المعيشية، فتصدّت لهن فرقة “الزينبيات” التابعة للجماعة، واعتدت عليهن بالضرب المبرح والصواعق الكهربائية وأعقاب البنادق والعصي، في ممارسة مثّلت شكلاً موثقًا من أشكال التعذيب الممنهج. نُقلت عشرات النساء إلى أقسام الشرطة واحتُجزن في غرف ضيقة، وأُطلق سراح بعضهن فقط بعد أن قدّم أفراد من أسرهن ضمانات خطية بعدم المشاركة في أي احتجاجات مستقبلية.
ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل لاحقت النساء في شوارع المدن بذريعة “أربطة البالطوهات”، كما حدث في الحديدة. وأنا شخصيًا كنت من بين اللواتي تعرضن لمحاولة اعتداء أثناء عملي في النيابة الجزائية المتخصصة، ولم تحمني مهنتي لمجرد أنني ارتديت رباط البالطو.
لقد كانت المرأة اليمنية، بحكم الأعراف والتقاليد، تحظى بمكانة من القدسية تحميها من كثير من أشكال الانتهاك حتى في أحلك الظروف. لكن مع قدوم الحوثيين، جرى تفكيك هذه الحماية بصورة منظمة ومقصودة، وأصبحت النساء أولى ضحايا هذه الانتهاكات. تابعت شخصيًا قضايا لفتيات تعرضن لتعذيب وحشي؛ جُلدن على صدورهن وصُوّرن تحت التهديد بنشر الصور إذا أفصحن عما جرى لهن. وما أوردته هنا ليس إلا مقدمة لسلسلة طويلة من الانتهاكات الممنهجة التي طالت النساء والرجال والأطفال على حد سواء.
