فهمي محمد

كاتب ورئيس الدائرة السياسية للحزب الاشتراكي اليمني – مدينة تعز
بعقل سياسي تقدمي تجاوز فكرة الإصلاح السياسي التقليدي والميثاق المقدس عام 1948م، انطلقت شرارة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م في شمال اليمن، بقيادة مجموعة من الضباط الأحرار (على رأسهم الشهيد علي عبد المغني وجزيلان) لتمزق جدار الظلام الذي فرضه نظام الإمامة الكهنوتي، معلنةً فجر نظام جمهوري قائم على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة الحديثة.
لم تكن ثورة 26 سبتمبر مجرد انقلاب عسكري، بل كانت ثورة سياسية شعبية ضد استبداد سياسي–اجتماعي تغذّى على الخرافة والجهل الإمامي. استندت الإمامة لقرون إلى شرعية مزعومة مفادها «الحق الإلهي في الحكم» (divine right to rule)، وعلى أساس ذلك مُنحت سلالة بعينها مقاليد السلطة السياسية دون غيرها. ولهذا أسست الإمامة في اليمن نظامًا سياسيًا طبقيًا لم يحوّل اليمنيين إلى أشبه بخدم وعبيد فقط، بل جعل اليمن عبر قرون وكأنها مزرعة خاصة لعائلة تدّعي أنها من نسل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، لا يقتصر استعادة ذاكرة اليمنيين لذلك الماضي البغيض والاحتفال بثورة الخلاص التاريخي عليه فحسب، بل أصبح حاضرهم في ظل سلطة الحركة الحوثية يشهد كل يوم تجديدًا لأنماطه السياسية والاجتماعية والثقافية.
الحركة الحوثية، التي تسللت إلى مفاصل الدولة وأجهزتها، لم تكتفِ بالاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، بل شرعت في إعادة إنتاج نموذج الإمامة بكل تفاصيله المقيتة، مع إضافة لمسات عصرية من القمع والتطرف المذهبي. لقد أعادت هذه المليشيا بناء البنية السياسية السلطوية على أساس الاستئثار المطلق بالسلطة والثروة، مكرسةً سلطة الأمر الواقع التي ترفض المشاركة السياسية، وتلغي الآخر، وتختزل الوطن والسلطة في جماعة سلالية تتسيد عرقيًا على الشعب اليمني.
إنها صورة معاصرة للحكم الكهنوتي، حيث تحل «الولاية» المطلقة لزعيم الجماعة في ظل الجمهورية محل «الإمامة»، ويتم اختزال إرادة الشعب وإنجازات الثورة في فكرة التفويض الإلهي الذي تدعيه هذه الجماعة لنفسها، مقدمةً نفسها كممثل وحيد لله على الأرض، تحت عنوان سياسي بارز (ولاية الإمام علي بن أبي طالب). وهي ذات المقولات التي استند عليها بيت حميد الدين في ظل الإمامة وحاربتها ثورة سبتمبر.
وحتى تتمكن الحركة الحوثية من إحكام قبضتها، عادت إلى أدوات التفكيك القديمة داخل الوسط الاجتماعي. فبدلًا من تعزيز الانتماء الوطني الموحد الذي توخته الجمهورية، عملت بمنهجية سياسية وأيديولوجية على تعزيز الهويات الفرعية والولاءات الضيقة، مروجةً لولاء ديني طائفي وحتى مناطقي يتعارض مع مفهوم المواطنة، صانعةً انقسامًا اجتماعيًا بمشرط المذهبية السياسية بين «المؤمن» بزعامتها و«الخارج» عنها، الذي أصبح في نظرها غير مكتمل الإسلام والإيمان.
لقد أعاد الحوثيون إحياء النظام الطبقي البائد، لكن على أسس مذهبية ومناطقية تحت شعار «المسيرة القرآنية»، حيث يُمنح التفوق والامتياز لأتباع المذهب والمناطق التي تواليهم، بينما يُحكم على الآخرين بالتهميش والإقصاء بل والاستهداف. ولم يتورعوا عن استغلال النسيج القبلي اليمني الأصيل وتحويله إلى أداة حرب في خدمة مشروعهم، مجندين شباب القبائل بالترهيب والترغيب المادي، لتمزيق أواصر المجتمع اليمني وتحويله إلى وقود لحرب لا تخدم سوى سلطتهم السياسية.
خلال السنوات الماضية، أدركت المليشيا أن احتكار التعليم وتزوير الوعي هما السلاح الأكثر فتكًا في معركتها نحو السيطرة على السلطة. فكما فعل النظام الإمامي الذي حجر المعرفة وخاف من القلم، تسعى الحوثية اليوم إلى محو كل ما يربط اليمني بهويته الوطنية وقيم المواطنة، لتحل محلها هوية طائفية ضيقة. فتم تغيير المناهج الدراسية لتصبح أدوات لغسل الأدمغة وبناء أجيال من التابعين، الذين لن يعرفوا في ظل سلطتها سوى ثقافة الولاية والجهاد والتكفير والعداء للآخر. لقد شنت الحرب على كل مفردات وقيم الثقافة الوطنية، وقمعت الحريات النقابية والفنية والإبداعية، وسجنت المثقفين والمفكرين، لأنها تدرك جيدًا أن الوعي الوطني هو العدو الأول لأي نظام استبدادي.
ولضمان بقائها، اتخذت سلطة المليشيا من الحرب سياسة للإفقار وأداةً للسيطرة على الثروة. فاقتصاد الريع والامتيازات الذي تتحكم فيه، والمتمثل في عائدات الجمارك والمساعدات والتحويلات المالية وخُمس المال، لا يخدم سوى قادة المليشيا ومقاتليها، بينما يعمّق من فقر الشعب. إن هدفها ليس الثراء فقط، بل تحويل المجتمع إلى تابع ضعيف يعتمد على ما تمنحه الجماعة للبقاء.
في مواجهة هذه الصورة القاتمة، يصبح استلهام روح ثورة سبتمبر 1962م ضرورة وطنية تستوجب إعادة إحياء أهداف الثورة الستة كمنظومة متكاملة للمقاومة والسلم الأهلي.
إن مواجهة الشرعية الدينية المزيفة للحوثي تستدعي إحياء الشرعية الوطنية والمواطنة المتساوية التي أعلنتها الثورة. ومجابهة تفكيك النسيج الاجتماعي تتطلب تعزيز الانتماء الوطني الجامع فوق كل الانتماءات الفرعية. ومواجهة النظام السلالي الطبقي الجديد تكون بإعلاء قيم المساواة والعدالة الاجتماعية. كما أن تحرير التعليم والثقافة من براثن التجهيل الطائفي هو إكمال لمعركة الثورة اليمنية من أجل الحرية والمعرفة. أما كسر سياسة الإفقار والعزل فيكون ببناء اقتصاد وطني مقاوم يعيد للشعب كرامته واستقلاله.
إن استلهام روح سبتمبر لا يعني التعاطي معها كثورة ضد بيت حميد الدين فقط، بل يعني تبني شخصيتها وفكرتها الثورية كحالة نضالية وطنية مستمرة في سبيل التحرر من كل أشكال الاستبداد السياسي والاجتماعي والثقافي. إن الإصرار المتجدد في وجدان كل يمني على أن يكون حرًا، وأن يكون متساويًا في الحقوق والواجبات، وأن يكون صاحب قرار في وطنه، وصاحب حق في تولي مقاليد السلطة عن طريق الديمقراطية، كل هذا الإصرار يعني استلهام روح سبتمبر في مواجهة الحركة الحوثية.
لقد انتصر الأجداد على الإمامة بكل ما حملته من تخلف، واليوم، وبرغم كل المعاناة، يعمل الشعب اليمني بأدوات العصر على مقاومة تخلف الحركة الحوثية. قد تكون هذه المقاومة أبطأ، لكنها أكيدة، لهزيمة الصورة الجديدة التي تعكس الوجه البشع للإمامة.
ما بين الأمس واليوم، يظل جوهر المعركة واحدًا: معركة اليمنيين المستمرة من أجل الحرية والمواطنة المتساوية.
