صنعاء بين الحنين والثورة: ذاكرة سبتمبر في مواجهة ظلام الحوثيين

الخنساء عبدالرحمن أنور

باحثة وأكاديمية، وعضو سابق في لجنة التنمية بمؤتمر الحوار الوطني

لا تستطيع أن تقول إنك “صنعاني” فقط لأنك عشت في هذه المدينة؛ فصنعاء ليست مدينة تملكها، بل مدينة تملكك هي. صنعاء التي مشيت في شوارعها وزقاقها، ورأيت أسوارها العتيقة، وجلست على مقاعد مدارسها… إنها تأخذك إليها وتحتويك.

غادرتُ عدن في عام 1987، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أعيش في صنعاء. لكن القلب ظل معلَّقًا بين المدينتين؛

فالطيور التي غادرت ديار الأماني في هذا الوطن، *

تعود دائمًا إلى صنعاء مشتاقة، وتحتضن قلب المُنى في عدن.

كنتُ ببراءة طفلة صغيرة أعشق أهداف ثورة 26 سبتمبر، خصوصًا هدف تحقيق الوحدة اليمنية. كنت أبحث في خيالي عن شكل جديد يضم البلدين، ويزيل الحدود، ويُيسّر التنقّل. نعم، كنت أنانية بعض الشيء… أفكر في نفسي فقط: في حلول تُعالج حنين طفلة غادرت مسقط رأسها إلى مسقط قلبها، وتجاذبها الذكريات بين طفولة في عدن وأحداث جميلة في صنعاء.

ويعود إلينا في كل عام سبتمبر النبيل، السامي بأهدافه، المتوقد بشعلته في ميدان التحرير. ثورة لم تفقد عظمتها، بل نحن الذين قصَّرنا؛ لم نحقق أهدافها ولم نتمسك بروحها. العيب ليس في الثورة، بل فينا نحن اليمنيين الذين نحول ذكراها كل عام إلى مجرد إجازة رسمية، وكأنها الهدف الأعظم! نكتفي بصور الألعاب النارية وكأنها الإنجاز الأكبر لثورة صنعت تاريخ وطن بأكمله.

اليمنيون بلا شك هم أكثر الشعوب تطبيقًا للتكنولوجيا الحديثة! فحكومتنا العظيمة تدير الدولة عن بُعد، والوزارات تعمل على نظام “أونلاين دائمًا”، والاحتفالات الوطنية نحضرها عن بُعد عبر الذكريات والشعارات المسجلة. حتى الراتب لم نعد بحاجة إليه، فهو يُدار أيضًا عن بُعد… بعيد جدًا لدرجة أننا لا نراه أصلًا. هكذا أصبحنا رواد التكنولوجيا بلا منافس، نعيش على الطوابير لكن نفكر بالـ”كلاود”. نحن كيمنيين في الغربة نحتفل بثورة 26 سبتمبر كما يحتفل الجائع بصورة صحن مليء بالمندي؛ نرفع الأعلام، نغني الأناشيد، ونُعيد نشر نفس الصور القديمة وكأنها إنجازات جديدة. الحقيقة أننا نعيش على الذكريات، نحضن الماضي ونغطي به فراغ الحاضر. نضحك ساخرين ونقول: ثورتنا أخرجتنا من الكهوف… لكننا ما زلنا نبحث عن الكهرباء والماء وكأننا لم نخرج أصلًا. نحتفل عن بُعد، بأمل بعيد، ونكتفي بأن الثورة باقية في الشعارات، بينما واقعنا ما زال في طابور الخبز والديزل. نحتفل بالمنفى ونحلم بالوطن، نتغنى بالجمهورية من خلف الحدود.

ثورة ثورة عن بُعد وذكريات عن الحضور، شعارات تملأ الجدران، ولكن البطون تصرخ من الحرمان، واعوجّت كفة الميزان، والمواطن طفران. تبًا لكم يا أنصار الله، بل أنصار قرن الشيطان.

فلنستمر لإشعال هذا اللهيب لحرق هذا الظلام وفتح الأبواب للأمام وليس للإمام.