هدى الصراري
محامية
في 22 مايو/أيار 1990 عاش اليمنيون لحظة فارقة، حين توحّد الشطران الشمالي والجنوبي تحت اسم “الجمهورية اليمنية”، وارتفعت معها التطلعات لبناء دولة مدنية قائمة على التعددية والعدالة. كانت تلك المحطة امتدادًا لمسار بدأ بثورة 26 سبتمبر 1962 التي أنهت حكم الأئمة في شمال البلاد وأعلنت قيام الجمهورية. حلمٌ طويل صاغه اليمنيون بدمائهم وتضحياتهم، بدا أنه يقترب من الاكتمال مع الوحدة.
غير أن الأحلام اصطدمت سريعًا بواقع سياسي مأزوم اتسم بالفساد واحتكار السلطة وتهميش الجنوب، فجاءت حرب صيف 1994 لتعمّق الجراح وتفرغ الوحدة من مضمونها العادل.
وفي عام 2011، ومع موجة الربيع العربي، استعاد الشارع اليمني صوته مطالبًا بالتغيير. وانتهت الأزمة بتنحي علي عبدالله صالح وتولي عبدربه منصور هادي الرئاسة في مرحلة انتقالية معقدة، كانت تشكل فرصة لإعادة بناء الدولة، لولا هشاشة التوافق السياسي.
انقلاب الحوثيين لم يكن سقوطًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار مدروس استُغل فيه الحوار الوطني ورغبة اليمنيين في بناء دولة عادلة. فمنذ 2012 أحكمت الجماعة قبضتها على صعدة خارج سلطة الدولة، ثم وسّعت نفوذها بالسيطرة على عمران عام 2014 أثناء انعقاد الحوار الوطني، قبل أن تحاصر صنعاء 47 يومًا بذريعة إسقاط “الجرعة” بعد رفع أسعار الوقود. قدّمت نفسها آنذاك كمدافع عن حقوق الناس، فيما كانت تمهّد لانقلاب كامل.
وفي 21 سبتمبر/أيلول 2014 دخلت صنعاء وأسقطت مؤسسات الدولة، ثم في يناير 2015 فرضت الإقامة الجبرية على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الدفاع، معلنة سيطرتها المطلقة. وما بدأ بشعارات مطلبية تحوّل إلى كارثة وطنية. فمنذ تسع سنوات حُرم أكثر من خمسة ملايين موظف مدني وعسكري من مرتباتهم، في بلد يعتمد أغلب سكانه على رواتب الدولة كمصدر دخل أساسي. وفي الوقت نفسه ارتفع سعر الوقود إلى عشرة أضعاف عمّا كان عليه قبل الانقلاب. باسم الناس صادروا الدولة، وباسم العدالة حرموا الملايين من حقوقهم. لم يسقطوا “الجرعة”، بل أسقطوا الوطن كله في أزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة.
تسببت الحرب بانهيار الخدمات وتفاقم الأزمة الإنسانية التي تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ عالميًا. كما وثقت منظمات حقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها مختلف الأطراف: اعتقالات تعسفية، إخفاء قسري في مناطق سيطرة الحوثيين، وضربات جوية طالت مدنيين ومنشآت مدنية. وعلى الصعيد الاجتماعي، تعمّقت الانقسامات: شمال/جنوب، مذهبي/مناطقي، موالٍ/معارض. تراجعت القيم الوطنية الجامعة لصالح ثقافة التخوين، حتى بات كثير من اليمنيين يشعرون بالغربة داخل وطنهم. لم يعد التمزق مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، بل واقعًا يبدد شعور الأمان والانتماء.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج اليمنيون إلى مشروع دولة وهوية وطنية جامعة تعيد الاعتبار لمبادئ سبتمبر وأكتوبر: العدالة، المواطنة المتساوية، والحرية. يمن يتسع لجميع أبنائه، لا لسلالة أو جماعة مسلحة.
الغربة التي عشتها لم تكن خارج اليمن، بل في قلب عدن التي قضيت فيها عمري كله. أنا ابنة عدن؛ وُلدت بين أزقتها، كبرت على رائحة بحرها وصوت موجها، ونسجت أحلامي في شوارعها. لم أعرف وطنًا غيرها، ولم أتخيل يومًا أن أشعر بالغربة فيها. لكن بعد حرب 2015 تغيّر كل شيء. اجتياح الحوثيين كان مرعبًا، لكنه لم يكن سوى بداية الكابوس. فمع انسحابهم برزت قوى مناطقية ضيقة لا ترى الناس إلا من خلال أصولهم. في شوارع مدينتي صارت الأسئلة تطاردني: “من تعز أنتِ؟” “ارجعي إلى بلادك…” “عدن ليست لك.”
في لحظة واحدة تحولت من ابنة المدينة إلى غريبة على أرضها. لم أعد مواطنة، بل متهمة بالانتماء إلى مكان آخر. رأيت كيف يُقصى من عاش وأسهم في نهضتها فقط لأنه لا ينتمي إلى “الجغرافيا الصحيحة”. والأقسى من الغربة كان حرماني من الحداد. والدي الذي أفنى عمره في عدن، وابني الذي وُوري جسده ثراها، كلاهما يرقدان فيها، ومع ذلك لا أستطيع زيارة قبريهما أو الوقوف أمام تراب يحتضنهما. أقف أمام بوابة المقبرة، أمد بصري نحو الداخل، لكن القبور أقرب إلى قلبي وأبعد من خطواتي. هناك، حيث يرقد أعز الناس، يذكّرني الحديد المغلق بأن حتى الحزن أصبح ترفًا مسلوبًا. وحين يُحرم الإنسان من حقه في الحداد على أحبته، فهذا يعني أن الوطن نفسه صار غريبًا عن أبنائه.
انقلاب الحوثيين لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا، بل كارثة وطنية أصابت اليمنيين في عمقهم. اجتياح صنعاء عام 2014 كان ضربة للدولة والجمهورية، وحين حاولوا التمدد إلى عدن عام 2015 فجّروا شرخًا اجتماعيًا عميقًا ما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم. أبناء الشمال الذين عاشوا في عدن منذ سبعة أو ثمانية عقود وجدوا أنفسهم فجأة غرباء في مدينة ساهموا في بنائها ونهضتها، فقط لأن الانتماء المناطقي صار معيارًا للوطنية. وفي المقابل، فرض الحوثيون في الشمال نزعة طائفية ومذهبية ضيقة ألغت التنوع، وصادرت المجال العام، وحوّلت المناسبات الوطنية إلى محرمات. ففي عام 2024 مثلًا، مُنعت فعاليات وطنية، بينما فُرضت احتفالات مذهبية خاصة بالجماعة على المجتمع بأسره.
أصبح الوطن ممزقًا بين مناطقية تقصي الناس في الجنوب، وطائفية تطحن المجتمع في الشمال. وفي كلا الحالتين ضاع اليمني العادي بين جدران هويات مفروضة لا تعترف بمواطنته. نحن اليوم ضحايا مزدوجون: انقلاب صادر الدولة باسم “الحق الإلهي”، وواقع مناطقي صادر المدن باسم “الانتماء الجغرافي”. والنتيجة وطن بلا هوية، بلا قانون، بلا مساحة يتساوى فيها أبناؤه. ومع كل هذا الألم، يظل السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن نستعيد يمنًا لا يسألنا من أين جئنا ولا لأي طائفة ننتمي، بل يعترف بنا لأننا جميعًا أبناؤه؟ ذلك هو التحدي الأكبر، وتلك هي المعركة الحقيقية من أجل الجمهورية والوحدة والمستقبل.
