سبتمبر.. ثورة الوعي وبوابة الحضارة

سامي نعمان

صحفي

لم تكن ثورة 26 سبتمبر مجرد انتفاضة ضد نظام حكم أو منظومة سياسية، بل كانت تحولًا شاملًا مسّ البنية الاجتماعية والثقافية والإنسانية والاقتصادية القائمة؛ ثورة كرامة وحضارة تحمل في صميم أهدافها العدل والمساواة والارتقاء بواقع الشعب. وكان التعليم، كحق للجميع – رغم عدم وجود قوانين ملزمة – في صميم التغيير الذي شهده اليمن بعد ثورة سبتمبر.

أنا من جيل وُلد بعد عقدين من ثورة سبتمبر، حين كان اليمن يتلمّس طريق الحضارة والاستقرار والمستقبل، لأبوين ريفيين. ولعل والدي – رحمه الله – كان محظوظًا لأنه يجيد القراءة والكتابة، بينما لم تكن أمي قادرة على قراءة أرقام الساعة. لكنهما، كحال عشرات آلاف الأسر، بذلا كل ما بوسعهما لتعليمي. وكنت دائماً أسمعهما يقولان: «العلم سلاح جيل سبتمبر.. من المعيب أن لا نكافح لتعليمك.. جيل سبتمبر لن يكون أمياً».

كطفل نشأ في أسرة ريفية فقيرة وشبه معدمة ومحرومة، كانت والدتي تربي الدجاج وتبيع البيض والسمن، كما تبيع العجل الذي يأتي كل عامين لتغطية نفقات دراستي. كما باع والدي قطعة أرض ليساعدني على التعليم الجامعي. كنت في الثانوية أفاتح والدي بأن عليّ العمل للإنفاق عليهما، لكنهما كانا يرفضان قطعًا الفكرة، ويهددان بالبراءة مني إن توقفت عن الدراسة. هذا نموذج لحال كثير من الأسر اليمنية التي كابدت مرارة العيش والحرمان لتعليم أطفالها. وربما كانت معاناة أسرتي أقل من آلاف الأسر الأخرى في هذا المجال.

في بلد فقير مترامي الأطراف، تتوزع قراه وتجمعاته السكنية بطريقة “البلقنة”، كان من الصعب على دولة وليدة محدودة الإمكانيات أن تغطي جغرافيا البلاد بالمدارس. كان الأطفال يقطعون عدة كيلومترات في الجبال والوديان مشيًا على الأقدام بحثًا عن أقرب مدرسة. غدا من المعيب أن يكبر طفل ولا يتعلم، وصار تعليم الأطفال ثقافة أبناء الجمهورية.

طفلًا فارقتُ والديّ، وانتقلتُ من قريتي النائية بمديرية ماوية في محافظة تعز للاستقرار مع أسرة خالي بمدينة الراهدة بحثًا عن التعليم. كانت المدن أكثر حيوية وقربًا من المدارس رغم الازدحام. وكان الجميع يتعاونون مع الطلاب لتشجيعهم على التعليم؛ فسائقو سيارات النقل سخّروا سياراتهم لتوصيل الطلاب البعيدين مجانًا إلى المدرسة، وصار هذا الأمر التزامًا يوميًا لدى بعضهم. حتى المطاعم والمتاجر كانت تقدم وجباتها ومنتجاتها للطلاب بأقل سعر ممكن، بل كانوا يتساهلون أكثر مع الطلاب الأكثر فقرًا وعوزًا لمساعدتهم على الاستمرار في التعليم.

ورغم محدودية الإعلام، وعدم وجود أجهزة التلفزيون والراديو والصحف في الأرياف، فإن ثقافة الجمهورية والوعي انتشرا هناك، متأثرين بالأفكار التي تنتقل وتتسلل من الحواضر. كانت قرى بأكملها تجتمع في منزل أحد أبنائها لمشاهدة التلفزيون المحلي الأبيض والأسود لساعة أو ساعتين، لتعزيز الوعي والثقافة والمعرفة. ثم تحرص كل أسرة لاحقًا على شراء الراديو، الذي يعمل منذ افتتاح إرساله حتى انتهاء بثه لثماني أو اثنتي عشرة ساعة يوميًا.

مثّلت ثورة 26 سبتمبر محطة فارقة ومبهرة في وعي الإنسان اليمني الأمي غالبًا، وجعلته يلتمس ما فقده ليعوّضه، ليس في أولاده فقط بل في مجتمعه. الجميع كانوا يحترمون التعليم ومن يعمل فيه. الأسر الريفية كانت تتكفل بتغذية المدرسين الوافدين إلى الأرياف، سواء الأجانب – وبالأخص المصريين – أو المدرسين اليمنيين. وكانوا يتنافسون في ضيافتهم لترغيبهم في الاستقرار وتعزيز التعليم.

بعد 63 عامًا على ثورة سبتمبر، يكافح الجهل والكهنوت ليطل برأسه مجددًا، مستهدفًا التعليم بدرجة أولى، باعتبار أن انهيار منظومته هو الضامن الرئيس لعودة الشعب إلى حقبة ما قبل سبتمبر: لما قبل الإنسانية والكرامة. تعمد ميليشيا الحوثي إلى تشويه التعليم وتنفير الأطفال من المدارس، وتفخيخ عقولهم بخرافات تمجّد العنف والجريمة والسلاح والحرب. استهدفت التعليم ومسخت المناهج الدراسية بأفكار ودروس تؤدي في مجملها إلى تمجيد الخرافة وتعزيز العنصرية، مصوِّرةً للأطفال أن ميادين المعارك هي مواطن الشرف والبطولة، لا مقاعد الدراسة التي يُصوَّر طلابها – ظلمًا – بأنهم عاجزون محبطون.

اليمنيون معنيون في مختلف مناطق اليمن – في مناطق الحوثيين وخارجها، وفي المهجر – باستمرار ثورة الوعي واستحضار تجربة سبتمبر الملهمة، لتعزيز التعليم والحفاظ عليه، في وجه الزيف والجهل والخرافة التي ترعاها جماعة الحوثي لتكريس التفرقة والطبقية والعنصرية والعبودية. يجب أن نكافح لنشر وتوريث الوعي السبتمبري في عقول الأجيال. فالتاريخ يعلّمنا أن لا مستقبل بلا كرامة وحرية، وأن الحضارة لا تُبنى إلا على أساس التعليم.