منصور هائل

صحفي وكاتب ورئيس تحرير صحيفة التجمع
كما كان نظام الإمامة نظامًا قمعيًا مهجِّرًا لأبناء شعبه، فقد اهتز عرشه وسقط على أيدي المهاجرين بالدرجة الأولى.
المعلوم أن الإمام كان يكره البحر ويستدبره، ويصرّح مرارًا وتكرارًا بأن البحر هو البوابة التي تأتي منها الشرور والأجانب. ولم يخطر بباله قط أن سقوطه سيكون بفعل التيارات البحرية العاصفة وعلى أيدي ضحايا التنكيل والتهجير الذين أبحروا على سفن الفحم وقوارب الموت إلى جيبوتي وعصب وهرجيسه ومرسيليا وليفربول وغيرها.
ومعلوم أيضًا أن نظام الإمامة القائم على الحرب والنهب قد جعل من الهجرة شرطًا لوجوده، من غير أن يعلم أنها ستكون بوابة جحيمه. ومن هنا، لم تكن الهجرة مجرد نتيجة للظلم، بل تحولت إلى مخزون قوة. فالمهاجر الذي انطوى على قهره وإنسحاقه وكمده، ورحل عن البلاد قسرًا، قد حمل في أحشائه بذور الثورة. لم يلتقط أنفاسه في المنفى إلا ليشرع في مراكمة عُدّة وعتاد معركة التنوير والتغيير: تمويل بناء عشرات المدارس، تأهيل المعلمين، دعم الثوار الأحرار والمعتقلين في سجون الإمام وفي المنافي، وإصدار الصحف في لندن والقاهرة وعدن وغيرها.
لقد اشتعل الفتيل الأول للثورة بالهجرة، وانتصرت ثورة 26 سبتمبر 1962 بإسناد ودعم المهاجرين، وفي مقدمتهم أولئك الأفذاذ من أغنياء المهاجرين ورؤساء الجاليات الذين حملوا الأموال بـ”الجواني” – الشوالات – ليقدموها لأول رئيس جمهورية عبدالله السلال، الذي كان يرحّب بهم باشًا، مذهولًا وهو يقول: “أنتم تأتون بالأموال لدعم الجمهورية، والكثير من المشائخ حول صنعاء يشددون علينا الحصار والاستنزاف بطلب أموال وبنادق.”
ولئن كانت الإمامة في القرن العشرين نظامًا طاردًا للسكان، صانعًا للتنافر والانقسام والتشرذم، ومشروعًا مستحيلًا بوقوفه على الضد من حركة التاريخ وتيارات العصر، فإن عودة الكابوس مجسّمًا بالإمامة المستحدثة في نسختها الحوثية يُعد ضربًا من المستحيل المهين. واليوم يعيد الحوثيون إنتاج ذات المشروع الإمامي، لكن بوسائل أكثر توحشًا وتكنولوجيا أكثر فتكًا. ولذلك ينبغي أن تنهض لتقويضه أجيال الشباب الذين نزحوا وهُجّروا قبل غيرهم، فالمتاح أمامهم في المنافي راهنًا أكبر وأكثر وأفعل من ذلك الذي كان متاحًا أمام الأجداد الذين غادروا بلادهم بإصرار على عودة مظفرة.
ومن الضروري أن يستلهم الأحفاد في منافيهم سيرة الأجداد ويحتذوها، وأن يلتم شتاتهم وينهضوا لإطلاق منصات الفعل الثوري بالاستفادة من التقنيات الهائلة، ليقطعوا بأن لا مكان لهؤلاء البقايا المستحاثية (البالية)، وإن كانت أكثر ضراوة لأنها تستفيد من آخر تقنيات تكنولوجيا التوحش.
إن القول بأن ما يحدث في اليمن اليوم هو عودة إلى القرون الوسطى ينطوي على ظلم للقرون الوسطى نفسها؛ فحينها لم تكن هناك صواريخ ولا طائرات مسيّرة ولا قناصة ولا ألغام ولا قنابل حارقة. وحتى محاكم التفتيش لم تحكم بحرق أكثر من ألفي شخص في عشر سنوات، وليس بلدًا بكامله. لم تُهجّر تلك المحاكم الملايين، ولم تقتل عشرات الآلاف، ولم تفجّر آلاف المنازل، ولم تحوّل أغلبية السكان إلى رهائن في أكبر عملية اختطاف في التاريخ المعاصر.
الحوثية اليوم هي أكبر وأخطر كارثة جيوسياسية، وأخطر جائحة فاتكة بالزرع والضرع. ولن ينقطع دابرها إلا بثورة شعبية يقودها الشباب، يتصدرها شباب دول الشتات. ومن الضروري الاعتبار بما صار لسبتمبر من انكسار، وعدم تكرار الأخطاء أو الوقوع في المطبات التي اكتنفت الثورة السبتمبرية وحالت دون تمكنها من تأمين أسباب وشروط الاستمرار وصولًا إلى إنجاز مشروع الدولة الوطنية، دولة المواطنة والقانون غير القابلة للانتكاس.
بالأمس لم يكن الإمام يحيى يدرك استحالة الإمامة المرتكزة على دعامة النسب في القرن العشرين، واليوم ليس بمقدور حفيده عبدالملك المتشبث بنفس الكهف أن يدرك هذه الاستحالة في أفق الألفية الثالثة. لكن بمقدور الشباب في منافيهم أن يتصدوا لهذا الأمر ويصححوا الخطأ الجسيم – بل الخطيئة التاريخية الوخيمة – الجاثمة على اليمن، وأن يحرروا البلاد والعباد من براثن هذه الميليشيا الفاشية، باتجاه إعادة الاعتبار لثورة 26 سبتمبر وتصويب مسارها نحو دولة المواطنة والقانون.
