
سارة الياسين
شاعرة وكاتبة فلسطينية
وصلتُ صنعاء في أواخر 2006، مدينة مدهشة بطيبة أهلها ومحبتهم لفلسطين. لم تكن حاضرة في ذاكرتي من قبل. في طفولتي، ملأت مصر شوارعنا بأغنياتها، والعراق بتاريخه المهيب، وسوريا بمسلسلاتها، ولبنان بفيروزه. أما اليمن فقد ظل غائباً، كأنه اختار العزلة بنفسه. لم يظهر في كتب المدرسة، ولا في الأغنية، ولا حتى في الحكايات التي كبرنا عليها.
هبطتُ في مطار صنعاء ورأيت العلم بألوانه الثلاثة. سألت نفسي ببساطة: هل مرّت الثورات العربية من هنا أيضاً؟ لم أكن أعرف أن هذه المدينة، المحبة لفلسطين، شهدت ثورة جمهورية كبرى قبل عقود. لم يخطر ببالي أن اليمن كان جزءاً من المد القومي الذي هزّ المنطقة في الخمسينيات والستينيات.
الثورات عادةً تعيش في الذاكرة الجمعية حين تُغنّى. ثورة يوليو المصرية، مثلاً، لم تكن لتبقى راسخة لولا محمد عبد الوهاب في نشيده للحرية أو صوت العرب حيث أغاني عبد الحليم وأم كلثوم. العراق أيضاً ترك وراءه مسرحاً سياسياً، قصائد، أغاني شعبية. سوريا بدورها رسمت صورتها في الوعي العربي عبر رواياتها ودرامتها. أما اليمن، فقد بقي وحيداً. لم تُنتَج أغنية عربية كبرى عن ثورته. لم تكتب الدراما قصتها. حتى الأغنية اليمنية بقيت محلية، لم تخرج إلى الفضاء العربي. وهكذا بدا اليمن مجهولاً، كأنه ظلّ يتحرك على حافة الخريطة.
لكن شيئاً فشيئاً، تكوّنت صورة أوضح لي: اليمن قبل 1962 كان تحت حكم الإمامة المتوكلية. عزلة قاسية، نظام تقليدي مغلق، خوف من التغيير. بلد بلا مؤسسات حديثة، بلا تعليم واسع، بلا انفتاح على العالم. بينما كانت مصر والعراق وسوريا تنخرط في مشاريع الحداثة، ظل الشمال اليمني عالقاً في الماضي.
الثورة إذن لم تكن مجرد تغيير سياسي، بل محاولة لكسر جدار طويل من العزل. كان هذا التاريخ مجهولاً بالنسبة لي، كأن اليمن يقع خارج اهتمام بؤرة الثورات العربية وحضورها في الأغنية والدراما أو حتى الأدب. لم تصلني هذه الثورة إلا عندما اقتربت منها بشكل كافٍ لأعرف أي كفاح كان على أبنائها أن يخوضوه لسنوات طويلة وضد قوى مختلفة حاربت للقضاء عليها وحبس أبنائها في الماضي، دون أي فرص لبناء مستقبل عادل ودون ملكية تستعبد الشعب وتمتص مقدراته.
كانت الاكتشافات بالنسبة لي صادمة. فالملكية صادرت حق اليمني في حياة عادلة، وكانت أقوى من أن تهزمها ثورة الحلم والأمل والجمهورية بسهولة. وعندما انتصرت كان نصرها خافتاً وخجولاً. هذه الثورة التي تداخلت مع ثورة يوليو وتشابهت مع التحولات في العراق وسوريا، لم تأخذ نفس الحضور في الخطاب العربي. كأن اليمن يرزح تحت عبء نظام تقليدي مغلق. هذه العزلة جعلت الثورة اليمنية تبدو وكأنها مؤجلة، أو كأنها حدثت متأخرة عن الزمن العربي.
النظر إلى مسار اليمن بعد الثورة يكشف عن تعقيدات كثيرة. صحيح أن الجمهورية تأسست، وأن التعليم توسع، وأن اليمنيين خرجوا من العزلة، لكن النظام السياسي ظل هشاً، متقلباً، خاضعاً للمزاج القبلي وسطوته، وبلا مشاريع واضحة المعالم للخلاص من إرث الإمامة وخلق إرادة شعبية لمنع عودتها.
حتى تجربة الوحدة مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كان عليها أن تنضوي تدريجياً تحت إرث الإمامة. وبدلاً من أن يذهب الشمال للمستقبل بخلق لحظة تاريخية فريدة وجعل الوحدة مساحة لتبادل التجارب والتعلّم المتبادل، جاء الخلاف السياسي سبباً جديداً لانتصار إرث الإمامة وضياع إمكانية الاستفادة من بعض التجارب المتقدمة التي عرفها الجنوب رغم مشاكله الأخرى في سنوات دولته المستقلة: حضور أوضح لحقوق المرأة، توجهات نحو المساواة الاجتماعية، وبعض الأفكار الاشتراكية التي حاولت – رغم إشكالياتها – أن تقلّص الفوارق الطبقية وتبني مؤسسات حديثة.
في الجنوب، كانت مشاركة المرأة في التعليم والعمل أوضح، وكانت هناك محاولات لصياغة دولة أكثر مدنية تقلّص وجود وتأثير القبيلة في الحياة السياسية والاجتماعية. لكن الشمال لم يستفد من هذه الإيجابيات، بل على العكس، انتقلت إلى الجنوب الكثير من مشاكله: البنية القبلية، الممارسات السياسية الفاسدة، وبقايا إرث الإمامة.
هكذا تحولت الوحدة، التي كان يمكن أن تكون خلاصاً، إلى فرصة ضائعة. ورسّخت شعوراً بالخذلان لدى كثير من الجنوبيين الذين رأوا أن ما كان لديهم من مكتسبات لم يُصَن، بل تلاشى.
بالنسبة لي، كانت ثورة سبتمبر أكثر من حدث تاريخي. كانت مفتاحاً لفهم اليمن. بلد لم أتعرف إليه في طفولتي، اكتشفته بالصدفة وأنا أعيش فيه. كنت أتساءل: كيف يمكن أن يغيب بلد كامل عن ذاكرة العرب؟ لماذا لم يكن له نصيب في الأغنية أو الدراما أو حتى في المناهج الدراسية؟
أدركت أن الغياب لم يكن مصادفة. إنه حصيلة تراكمات: عزلة طويلة، إرادة سياسية غائبة، خضوع شعبي، ضعف تمثيل ثقافي، ولا مبالاة من المركزيات العربية. النتيجة أن اليمن ظل بعيداً عن وعينا، كأنه لم يكن يوماً من صناع التاريخ العربي والإسلامي.
هذا الغياب جعل اكتشاف اليمن بالنسبة لي تجربة شخصية مدهشة. كأنني عثرت على جزء ضائع من العالم العربي. لم تصلني ثورة سبتمبر عبر الأغاني أو الكتب، بل عبر الشوارع والأسماء والوجوه. عبر سؤال بريء عن اسم ميدان أو لوحة مدرسة.
اليوم، بعد سنوات، يبقى السؤال معلّقاً: كيف لثورة بهذا الحجم أن تغيب عنّا جميعاً؟ ربما لأن الإمامة لم تُهزم تماماً. ربما لأن الأنظمة التي حكمت بعد الثورة لم تُفلح في بناء دولة راسخة. وربما لأن العرب، ببساطة، لم يلتفتوا إلى اليمن كما يجب.
المؤكد أن اليمن بحاجة إلى أن تُروى قصته. أن تُغنّى ثورته. أن تدخل الذاكرة العربية لا كظلّ على الهامش، بل كأحد أركانها. لأن أمة تنسى ثوراتها، أو تترك بعضها يتلاشى في الصمت، هي أمة محكومة بتكرار إخفاقاتها وعودة أعدائها من داخلها في أول فرصة سانحة.
