بليغ المخلافي

كاتب والمستشار الإعلامي لسفارة اليمن في جمهورية مصر العربية
مع بدايات العقد الأخير من القرن الماضي، انزلقت الصومال إلى حرب أهلية طاحنة بين نظام الرئيس الأسبق محمد سياد بري وقوى المقاومة والمعارضة الشعبية في عدد من مناطق البلاد.
ومع اشتداد العمليات العسكرية ودخول البلاد في نفق الفوضى والانفلات، تدفقت موجات هائلة من المهاجرين الصوماليين إلى دول الجوار، وبينها اليمن، قبل أن ينتهي المطاف بمئات الآلاف منهم لاجئين في أوروبا وأمريكا وعدد من الدول الأفريقية والشرق أوسطية.
تشير التقديرات إلى أن قرابة مليون صومالي يعيشون في أوروبا وأمريكا وجنوب أفريقيا، وقد شكلت الجاليات الصومالية في تلك البلدان ما يشبه المجتمعات المصغرة للحفاظ على الهوية الوطنية والارتباط بالداخل، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير.
استمر الصومال في موجات من الصراع لأكثر من عقدين من الزمن، وبين الانقسامات واستقلال بعض الأقاليم بحكمها الذاتي، كانت تلوح في الأفق دوماً بوادر أمل لاستعادة الدولة.
ورغم ما خلّفته سنوات الصراع من مجاعات وتجهيل وانتشار للجماعات المتطرفة التي لم تعد تشكل اليوم تهديداً قوياً لعملية بناء الدولة الصومالية فحسب، بل تعدّت ذلك لتصبح خطراً إقليمياً ودولياً من خلال استهداف ممرات الملاحة الدولية والتخادم مع جماعات ما دون الدولة في المنطقة، وعلى رأسها ميليشيا الحوثي الإرهابية، ظلّت بارقة الأمل تأتي من أبناء المهاجرين الذين وُلد معظمهم في دول الشتات، فتسلحوا بالعلم والمعرفة ليعيدوا بناء بلدهم من جديد.
يقول المراقبون والمطلعون على الشأن الصومالي إن ما يزيد على 80% من الكفاءات العاملة في الحكومة الصومالية ومجالسها هم من أبناء المهاجرين، الذين لم يعرفوا في حياتهم البنادق، بل حملوا الأقلام وتعلموا في أفضل جامعات العالم.
الحديث عن الصومال يقودنا بالضرورة إلى اليمن، المتشابه مع جاره في الضفة الأخرى من البحر في أمور كثيرة: الطبيعة العشائرية، الظروف الاقتصادية، نسبة الأمية، ودورات الصراع المتلاحقة.
بعد انقلاب الميليشيات الحوثية عام 2014 وانتهاء الحلم الذي عاشه اليمنيون في تغيير سلمي يقود إلى عملية ديمقراطية ويمن جديد قائم على مبادئ العدالة والمساواة، انتقل مئات الآلاف من اليمنيين إلى دول الشتات، وتمكن العديد منهم من الوصول إلى أوروبا وأمريكا وبعض دول الشرق الأوسط والشرق الأدنى. ولا شك أنهم باتوا يمثلون اليوم إحدى أهم القوى الناعمة في مواجهة الانقلاب الحوثي ودعم مسار السلام واستعادة الدولة.
لا توجد تقديرات دقيقة لأعداد اليمنيين في الخارج وتحديداً من غادروا البلاد بعد الانقلاب، لكن المؤشرات تقول إنهم بمئات الآلاف. وفي خضم العتمة التي فرضها الحوثي على مناطق سيطرته ذات الكثافة السكانية العالية، وفي ظل التجهيل الذي يمارسه على الأجيال الجديدة من خلال تجريف الهوية الوطنية وتحريف المناهج الدراسية وتدمير منظومة التعليم الأساسي والجامعي، سيظل أبناء المهاجرين نقطة الضوء التي تلوح في نهاية النفق، ولنا في التجربة الصومالية خير دليل.
نداء إلى رفاق المهجر
مثّلت مخرجات برنامج الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للابتعاث في الخارج قاعدة اجتماعية للتغيير الذي تشهده المملكة الجارة اليوم: خمسمائة ألف طالب وطالبة تسلحوا بالعلم والمعرفة في جامعات عالمية، وهم الداعم والبيئة الحاضنة لأكبر عملية تغيير اجتماعي وثقافي في تاريخ المملكة.
اغرسوا العلم في أبنائكم، فهم مشعل العودة وبناة الوطن القادم.
