اليمن بين الإمامة والجمهورية: هل تخلص من إرث الإمامة بعد ستة عقود؟

أحمد السلامي

شاعر وكاتب

بعد أكثر من ستة عقود على ثورة 26 سبتمبر، لا يزال اليمن يعيش صراعًا يعيد طرح السؤال الكبير: هل كان التحرر من الإمامة مكتملًا أم معركة ما زالت مفتوحة؟ بالنسبة لليمنيين، كانت تلك الثورة محطة تاريخية، ولحظة فاصلة حررت البلاد من قرون من الحكم الإمامي وفتحت الباب أمام حلم الدولة الحديثة.

بينما كانت شعوب العالم تتدرج في بناء دول حديثة عبر الدساتير والمؤسسات والانتخابات والفصل بين السلطات، ظل اليمن عالقًا في عصور متأخرة بسبب نظام الإمامة الذي استمر لأكثر من ألف عام، ورسّخ الجهل وأبقى البلاد خارج مسار العصر، وحال دون أي تقدم نحو الحرية والسيادة والمواطنة المتساوية. في هذا السياق جاءت ثورة 26 سبتمبر 1962 لتفتح مرحلة جديدة، فاصلة بين عهد الإمامة المغلق وبداية مشروع وطني مختلف. وبرغم أنها ظلت منذ لحظتها الأولى محاصرة بالتهديدات الداخلية والخارجية، فإنها تبقى أول محاولة جادة لفكّ ارتباط اليمن بالإمامة وإدخاله في زمن الدولة الحديثة.

سبتمبر كانت ثمرة تراكمات طويلة من الإحباط والوعي الشعبي، وتعبيرًا عن جيل جديد من الضباط والطلاب والمثقفين الذين رأوا في الإمامة عائقًا وجوديًا أمام أي تقدم. وقد تزامن هذا الوعي مع صعود الحركات التحررية في المنطقة، وكان لضباط الجيش الذين تلقوا تعليمهم في مصر دور محوري في إشعال الثورة، وهم يحملون حلم الدولة المدنية والحكم الدستوري والمواطنة المتساوية.

سقوط الإمامة في 26 سبتمبر كان ضربة قاصمة لفكرة “الحاكم بالنص” و”الإمامة بالوراثة”. لقد مثّلت الثورة لحظة تحول نحو مشروع وطني يقوم على مبدأ أن الحكم حق للشعب من خلال مؤسسات منتخبة ودستور يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لا على من يزعمون امتلاك “الحق الإلهي”. وللمرة الأولى، فُتح المجال التعليمي أمام الجميع بعد أن كان محصورًا في عائلات محدودة. تشير الروايات إلى أنه لم تكن هناك سوى مدرسة حديثة واحدة في مدينة تعز قبل الثورة، فيما تجاوزت نسبة الأمية 90% بين السكان. أما الحياة اليومية فكانت تعكس عزلة كاملة: وسائل النقل اقتصرت على الحمير والجمال، الكهرباء معدومة، المستشفيات غائبة، والأوبئة مثل الكوليرا تحصد الأرواح، فيما السجون ممتلئة بالمعارضين وأبناء القبائل المحتجزين كرهائن. جاءت الثورة لتكسر هذه الحلقة المغلقة وتفتح الباب أمام التعليم والصحة والتنمية.

لفهم قيمة الثورة لا بد من استيعاب أثر الإمامة التي حالت دون نشوء دولة حديثة في اليمن، ورسّخت شرعية دينية قسرية لا تقبل النقاش، ومن يشكك فيها كان يواجه حد السيف. استأثر الإمام بالسيادة لنفسه وعائلته، واحتكر حتى قرار التوريث، إلى درجة التخلص من أي فرد داخل العائلة قد يعارضه. أهمية الثورة أنها أنقذت اليمنيين من نظام يرفض مبدأ سيادة الشعب على قراره. لم تكن هناك انتخابات ولا فصل بين السلطات؛ فالتشريعية والتنفيذية والقضائية جميعها في يد الإمام، الذي اعتبر نفسه الحاكم المطلق بلا رقيب أو محاسب. في المقابل، تقوم الدولة الحديثة على سيادة الشعب، وهذه القاعدة وحدها ما تزال تثير قلق أنصار الإمامة حتى اليوم.

الدولة الحديثة نقيض ذلك النموذج؛ فهي لا تمنح الحاكم قداسة أو حصانة مطلقة، بل تقيده بالدستور والرقابة الشعبية. وهذا ما يفسر سلوك من يوصفون بـ”ورثة الإمامة الجدد” في صنعاء اليوم، حيث يستعيدون تراث الولاية في صيغة معاصرة، ويُخضعون مؤسسات الدولة لسلطة “السيد القائد”، على غرار نموذج ولاية الفقيه في إيران.

لكن مأساة اليمن أن الجمهورية بعد 1962 لم تنجح في التخلص من نفوذ الإمامة ومخلفاتها. فالحرب الأهلية (1962 – 1970) انتهت بمصالحة جمعت بين الجمهوريين وبقايا الإمامة لتقاسم الحكم. ومع مرور العقود، تسللت مراكز القوى القبلية والتقليدية وتجار الحروب إلى مؤسسات الدولة، فتحولت الجمهورية نفسها إلى كيان مهجّن، عاجز عن ترسيخ نموذج الدولة المدنية. الدولة التي تساوم هذه القوى وتخضع لها لا يمكن أن تكون دولة مؤسسات حقيقية. وظلت الجمهورية محكومة بتوازنات ما قبل الدولة، رهينة لشخصيات ووجاهات أقوى من القانون ذاته.

إن أي أمل في الخلاص من التخلف وعبء الإمامة، سواء بصورتها القديمة أو تجلياتها الحديثة، لن يتحقق إلا عبر استعادة أهداف ثورة سبتمبر: بناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، والقضاء على الامتيازات الطبقية والطائفية. وسيبقى سبتمبر ذكرى وطنية ومعركة مستمرة. واليمنيون اليوم، وهم يواجهون محاولات إحياء الماضي الإمامي أو إعادة إنتاجه، لا يملكون خيارًا سوى التمسك بمبادئ تلك الثورة التي رسمت خط الفصل بين مرحلة طويلة من الاستبداد وإمكانية قيام دولة حديثة. فإما أن يستعيد اليمنيون جمهوريتهم المدنية، أو يبقوا عالقين في دورة استبداد لا تنتهي.