الهاربون من الجحيم

العزي الصلوي

مستشار وزارة الخارجية والمغتربين

تبقى ظاهرة الهجرة اليمنية الظاهرة الأعمق في تاريخنا وفي حياتنا الراهنة. لا يكتمل الحديث عن مرحلة صراعٍ أو استقرارٍ مرّت بها اليمن، إلا وتكون حاضرةً في الذهن والواقع. وفي الحديث عن الجغرافيا والطبيعة، تتألف ظاهرة الهجرة اليمنية باعتبارها إحدى معطياتهما، كما هي أيضًا من معطيات الاقتصاد والتركيب الاجتماعي. وكما هو معروف، فإن الظلم أيضًا طال المهاجرين؛ فتسييبُهم أولًا في هجرتهم حفر في الأعماق صورةً مثيرةً للتقزّز والسخرية لم تنجح مواهب الشعراء والفنانين في تبديدها، بل انتقلت إلى أبناء المهاجرين؛ نصفُهم اليوم من المولَّدين.

ومع استمرار جهلنا بمعاني ودلالات الهجرة اليمنية وعذاباتها، فنحن نعترف أحيانًا —وعلى مضض— بالدور الوطني الذي لعبه المهاجرون إلى جانب الحركة الوطنية والثورة اليمنية، وبعد ذلك دورهم الكبير وبصماتهم الواضحة في مسيرة التنمية التي شهدها الوطن. لكننا —في نشوة الروائح النفطية التي هبّت علينا لبعض الوقت من البلدان المجاورة— نسينا أو تناسينا إخوةً لنا يعيشون في مناطق أبعد من آبار النفط، لكنهم ظلّوا على العهد، وما زالوا عليه حتى بعد أن بدأت آبار النفط في التبخّر والنضوب.

لقد كوّن المغتربون اليمنيون أنفسهم في مهاجرهم، واكتسب بعضهم خبرةً ومهارةً في الأعمال التي التحقوا بها، وتحول كثيرٌ منهم —خاصة الذين استقروا في المستعمرات في الحبشة وجيبوتي وشرق أفريقيا— إلى تُجّارٍ باشتغالهم بالتجارة، وقد استقر كثيرٌ منهم في مهاجرهم بعد ارتباطهم بروابط عائلية فيها.

ليس معنى هذا أن المغترب اليمني كان يجد الطريق ممهّدةً أمامه، وأن سفره ميسورٌ إلى أي بلدٍ في العالم يريد. كلا؛ لقد كانت تواجه المغترب —منذ مغادرته قريته وحطِّ قدمه، سواء في عدن المستعمرة البريطانية، أو جيبوتي المستعمرة الفرنسية، أو عَصَب المستعمرة الإيطالية— كثيرٌ من المصاعب. أهمّها أن أيَّ عملٍ يريد أن يلتحق به ويزاوله —حتى عمل حارسٍ أو بوّاب— يتطلّب منه شهادةَ خبرةٍ بأنه سبق له أن زاول ذلك العمل. وكان على الذين يريدون العمل في منزل أحد الغربيين أو في أحد الفنادق التي يرتادونها —ويريد العملَ كطباخٍ أو جرسونٍ مثلًا أو…— في غيرها من الأعمال، سواء داخل المدن أو على البواخر، أن يقدّم شهادةَ خبرةٍ بأنه يجيد هذا العمل وقد زاوله، ولديه شهادة خبرةٍ بذلك.

ولذلك كان يلجأ المغترب إلى مَن يكتب له شهادةَ خبرة، أو يستعير —من أحدِ معارفه الذين سبقوه في الاغتراب— شهادتَه، ويلتحق بها باسمه أيضًا، سواء بقي في المدينة المستعمَرة أو انتقل إلى غيرها من المستعمرات الأخرى أو إلى أوروبا. كما أن كثيرًا من المغتربين زاولوا أعمالًا شاقّة، وزاولوا كلَّ المهن وتعرّضوا لكثيرٍ من المشاق. وقد صوّر الأخ الأستاذ محمد أنعم غالب حياتَهم ومعاناتَهم —في ديوانه الشعري الصغير «غريب على الطريق»، خاصةً في قصيدة «الغريب»— فصوّر حياتَهم أدقَّ تصوير، وعن حالتهم أصدقَ تعبير.

لقد برز بين المغتربين —في المجتمعات التي يعملون فيها— بعضُ الشخصيات التي كانت تبادر للتصدّي لما يتعرّض له أيُّ مغتربٍ من مشاكلَ في غربته، من خلال اتصالهم بالجهات المسؤولة في تلك البلدان وتعاونهم معهم من أجل حلّها، بل عملوا على تكوين جمعياتٍ خاصةٍ للاهتمام بهم وبمشاكلهم.

فالمغتربون يُعتبرون من أوائل رُسل التمدّن والتحضّر في المملكة المتوكلية ومعارِضي الحكم الإمامي المتسلّط. وعندما قامت حركة الأحرار، كان المغتربون أولَ مَن تجاوب معها واستجابوا لدعوة قادتها، وكانوا سندَها ومصدرَ تمويلها منذ تأسيس أول حزبٍ علنيٍّ لها (حزب الأحرار) بعد عام 1944م. والمغتربون هم الذين وفروا لحركة الأحرار «مطبعة النهضة اليمانية» التي كانت تُطبع فيها جريدة «صوت اليمن» الناطقة باسم «الجمعية اليمنية الكبرى»، وهم الذين وفروا تكاليف إصدار جريدة «الصداقة» من القاهرة.

والمغتربون هم الذين كانوا يوفّرون النقود التي يعيش عليها الأحرار في كلٍّ من عدن والقاهرة. ولكي تكون العلاقة بين المغتربين وبين قادة الأحرار بعدن منتظمة، كان الوجهاءُ الذين برزوا من بينهم واهتمّوا بمشاكلهم في مقرات إقامتهم هم همزةَ الوصل بين المغتربين وقادة حركة الأحرار؛ يدفعون إليهم اشتراكاتِهم أو تبرعاتِهم التي مكّنت حركةَ الأحرار من الاستمرار في معارضتها للإمام والإمامة حتى زعزعت وقوّضت أركانَها، وقامت الجمهورية على أنقاضها.

وقد كانت المجموعة التي تولّت ذلك —سواء في عدن، أو في غيرها من المدن والمهاجر التي تجمّع فيها المغتربون— على الشكل التالي:

في عدن: الحاج محمد سلام حجاب، جازم الحروي، عبدالرحمن عبدالرب، عبده عبدالله الدحّان، الحاج عبدالله عثمان، هائل أحمد قاسم، عبدالصمد مطهر سعيد، علي حسين غالب الوجيه، عبدالملك أسعد عبيد، عبدالقادر أحمد علوان، عبدالقادر سعيد، الحاج عبادي ثابت، مرشد محمد عبادي، عبدالله محمد الشطفة، محمد علي الأسودي.

في بريطانيا: الشيخ عبدالله علي الحكيمي وآخرون من شمير.

في أمريكا: عبدالله الحاج مجاهد.

في الحبشة – أديس أبابا وأسمرة: أحمد عبده ناشر، عبدالقوي مدهش الخرباشي، عبدالغني مطهر عبدة، أحمد محمد العبسي، ومطهر سعد وآخرون.

في شرق أفريقيا – وفي أسمرة: شايف محمد سعيد، ومحمد محمد العاقل، وآخرون منهم شاهر عبدالرحمن العريقي، والحاج محمد عثمان العريقي.