المرأة اليمنية من ثورة 26 سبتمبر إلى سلطة الحوثيين

هالة سلطان القرشي

قاضية ورئيسة قطاع المراة وذوي الاعاقة في اللجنة العليا للانتخابات

المرأة اليمنية لم تكن يومًا خارج معادلة التغيير السياسي والاجتماعي. فمنذ ثورة 26 سبتمبر 1962، مثّلت تطلعات النساء اليمنيات جزءًا أصيلًا من أهداف الثورة، وأصبحت قصتها مؤشرًا حساسًا للتحولات: نهوضًا أو انتكاسًا. لقد كانت المرأة دائمًا مرآة تعكس بوضوح مسار تاريخ اليمن الحديث.

جاءت ثورة 26 سبتمبر لتضع حدًا لعصر الإمامة، الذي عانت فيه النساء من العزلة والحرمان التام من الحقوق. لم يكن مسموحًا لهن بالتعليم ولا بالمشاركة في الحياة العامة، واقتصر دورهن على الإطار المنزلي. ومع إعلان أهداف الثورة، التي تضمنت الحرية والمساواة والتعليم، بدأت بوادر التغيير. فُتحت أولى المدارس أمام الفتيات، وأخذت المرأة مكانها شيئًا فشيئًا في فضاء لم تعرفه من قبل. لقد كانت ثورة سبتمبر بمثابة نافذة أمل، إذ ربطت بين النهوض الوطني والتحرر الاجتماعي، وكانت المرأة أكثر المستفيدين من هذا التحول.

شهدت السبعينات انفجارًا في شغف النساء بالتعليم، حيث امتلأت المدارس والجامعات بالطالبات اللواتي حملن حلمًا بكسر العزلة التاريخية. برزت في هذه الفترة أوائل الطبيبات والمعلمات والإعلاميات، لتكون تلك النماذج دليلًا على أن المرأة قادرة على الإسهام في عملية البناء الوطني. وقد سادت أجواء اجتماعية إيجابية نسبيًا دعمت اندماج النساء في المجتمع، واعتُبرت هذه المرحلة واحدة من أكثر الحقب تفاؤلًا.

غير أن هذا المسار تعرّض لانتكاسة كبرى في الثمانينات، مع صعود المد الوهابي المستورد من الخارج، الذي ألقى بظلاله على المجتمع اليمني. كانت النساء الأكثر تضررًا؛ إذ مُنعن من دخول بعض التخصصات التعليمية مثل المعهد العالي للقضاء، وتم إقصاؤهن من المناصب العليا، رغم عدم وجود نصوص قانونية تمنع ذلك. أصبح الدين يُستخدم كسلاح لتقييد المرأة، وهو ما انعكس على المناهج التعليمية والخطاب الديني الذي بدأ يرسّخ دونية النساء. ومع ذلك، استمرت بعض النساء في النضال عبر التعليم والعمل الأهلي.

مع إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، اتسع الأفق أمام النساء، حيث توحّدت القوانين، واعتمدت الاتفاقيات الدولية التي كانت قد وقعتها الدولتان، ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW). في البداية، شعرت النساء بأن الوحدة قد تعزز حقوقهن وتفتح أمامهن فرصًا جديدة. غير أن الواقع كان مغايرًا، فقد تم تعديل الدستور بما مسّ مبدأ المواطنة المتساوية، وأُدخلت تعديلات على قانون الأحوال الشخصية سمحت بزواج القاصرات بعد إلغاء تحديد سن الزواج. كان ذلك انتكاسة قاسية لحقوق النساء، حيث أُعيد إنتاج التمييز ضدهن في نصوص تشريعية جديدة، رغم الوعود بالمساواة.

في هذه المرحلة، تصاعد دور منظمات المجتمع المدني التي رفعت لواء الدفاع عن حقوق النساء. برز اتحاد نساء اليمن كمنظمة رائدة في المطالبة بالحقوق، إلى جانب العديد من المبادرات الحقوقية المستقلة. خاضت النساء نضالات طويلة ضد التمييز، وشاركن في الحملات الحقوقية للمطالبة بتفعيل ما نصت عليه القوانين، لكن العقبات السياسية والاجتماعية كانت تحول دون التنفيذ العملي.

عندما اندلعت ثورة فبراير 2011، كانت النساء في الصفوف الأمامية للساحات. قدن الهتافات، نظمن الفعاليات، وتعرّضن للاعتداءات والضغوط الاجتماعية، لكنهن صمدن بقوة. أصبحت صور النساء اليمنيات في الساحات رمزًا للإصرار على التغيير، وكان لهن حضور بارز في التعبئة الجماهيرية.

مثّل مؤتمر الحوار الوطني محطة فارقة في مسيرة النساء. فقد خُصص لهن ما يقارب 30% من المقاعد، وشاركن بفعالية في صياغة مسودة الدستور الجديد. ترأست بعض النساء فرق الحوار، مثل فريق الحقوق والحريات، وكان لهن دور في إدخال ضمانات دستورية تكفل كوتا نسائية بنسبة 30% في مختلف مؤسسات الدولة. لقد شعرت النساء في تلك اللحظة أنهن على وشك تحقيق إنجاز تاريخي يكرّس شراكة حقيقية في صياغة مستقبل اليمن. غير أن هذه الفرصة سرعان ما ضاعت مع انقضاض الحوثيين على العملية السياسية.

مع استحواذ الحوثيين على السلطة، كانت المرأة اليمنية هي الضحية الأولى. فُرضت قيود صارمة على حركتها، ومُنعت من السفر دون ولي أمر، وأُقصيت من المناصب العامة. كما فُرضت قيود مشددة على أنشطتها الثقافية والاجتماعية، وزُجّ بنساء في السجون، وأُغلقت بعض المنظمات النسوية. حتى التعليم لم يسلم من التقييد، حيث أُدخلت تعديلات في المناهج تغذّي الفكر الطائفي وتحدّ من طموحات النساء. لقد كانت هذه المرحلة بمثابة انتكاسة كبرى، إذ عادت المرأة خطوات إلى الوراء، بعد أن كانت قد حققت حضورًا لافتًا في الحوار الوطني.

لقد كانت المرأة اليمنية دومًا في صميم معركة الحرية والكرامة. فمنذ ستينيات القرن الماضي، مثّلت تطلعاتها جزءًا لا يتجزأ من مشروع الدولة الحديثة. قدّمت تضحيات، وواجهت انتكاسات، لكنها لم تتوقف يومًا عن السعي نحو غد أفضل. إن ما تعانيه اليوم تحت سلطة الحوثيين ليس إلا حلقة جديدة في صراع طويل، لكنه صراع لا بد أن ينتهي بقيام يمن مدني عادل يضمن لها وللجميع حقوقًا متساوية.