المرأة اليمنية: رحلة من قيود الإمامة إلى آمال الجمهورية وتحديات الحرب الحوثية

بشرى العامري

 

صحفية

منذ مئات السنوات مثّلت المرأة اليمنية ميزانًا بين التقاليد العريقة وتطلعات التغيير. تمتدّ مسيرتها من قيود ما قبل ثورة 26 سبتمبر 1962، مرورًا بدورها في تأسيس الجمهورية، وصولًا إلى التحديات التي فرضتها الحرب والانقلاب الحوثي، لتكشف عن قدرة استثنائية على الصمود والنضال من أجل الحقوق ومستقبل الوطن.

قبل 1962، عاشت المرأة في ظل نظام إمامي مغلق ومجتمع شديد المحافظة؛ حقوقها كانت محدودة، والتعليم والرعاية الصحية شبه غائبين، فيما انحصرت أدوارها في نطاق الأسرة والعمل المنزلي. في واقع تسوده الأمية والتمييز، تراجعت فرصها في المشاركة بالشأن العام أو صنع القرار، بل حُرمت من أبسط حقوقها. ومع ذلك، تحتفظ الذاكرة اليمنية برموز نسائية تؤكد عمق الحضور التاريخي للمرأة، مثل بلقيس التي حكمت مملكة سبأ، وأروى الصليحية، والملكة شمس، والشاعرة غزال المقدشي التي خلّدت في أشعارها قيم الحرية والكرامة، وكذلك الملكة لميس بنت نوف بن يريم ذي مرع، أمّ إفريقيس بن ذي المنار—ويُقال إن قارة إفريقيا سُمّيت تيمنًا باسمه. وقد تفاخر الملك أسعد أبو كرب بنسبه قائلًا إن من «نساءٍ متوجاتٍ» في جدوده بلقيس وشمس ولميس؛ وهي شواهد تاريخية تعكس مكانة المرأة اليمنية القديمة، رغم أن واقع الغالبية العظمى من النساء ظل أسير العزلة والتهميش حتى مطلع ستينيات القرن الماضي.

شكّلت ثورة 26 سبتمبر نقطة تحوّل اجتماعيًّا بقدر ما كانت تحولًا سياسيًّا. للمرة الأولى انفتحت أمام النساء أبواب التعليم والعمل والمشاركة العامة، ولم يقتصر دورهن على الاستفادة من هذه التحولات، بل كنّ شريكات في لحظة الثورة نفسها: شاركن في المظاهرات، قدّمن الدعم اللوجستي، أخفين السلاح ونقلن الرسائل. وتبرز أسماء مناضلات مثل كرامة اللقية، وخديجة قاسم، وفاطمة السنباني، ورجاء الشامي، وعزيزة عبدالله أبو لحوم، وغيرهن من النساء اللواتي كن شواهد على حضور قوي ومؤثر لهن، بين توفير الملاذ للثوار والمشاركة المباشرة في بعض الجبهات.

مع قيام الجمهورية، خطت المرأة خطوات ثابتة نحو التعليم والعمل والانخراط في الحياة العامة، رغم استمرار الموروث المحافظ عائقًا اجتماعيًّا وثقافيًّا. وصل بعضهن إلى مواقع قيادية وتمثيل دبلوماسي، وبرزت ناشطات فاعلات محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا. ومع تصاعد المشاركة السياسية والاجتماعية، أقرّ مؤتمر الحوار الوطني مبدأ «الكوتا» بتمثيل لا يقل عن 30% للنساء—خطوة وثّقت اعترافًا رسميًّا بدور المرأة ومكانتها في المجال العام.

هذا الحضور القوي الذي لم تحظَ به المرأة اليمنية على وجه الخصوص من قبل، ولم تحظَ به أي نساء في المنطقة العربية سياسيًّا، كان نتاج الحضور والدور القوي في ثورة 11 فبراير 2011؛ فقد حضرت المرأة في الصفوف الأولى لساحات التغيير، نظّمت الفعاليات، وثّقت الانتهاكات، ونقلت صورة الحراك السلمي إلى العالم. هذا الحضور أنتج أشكالًا متعددة من التعبير والعمل العام، ليس في السياسة وحدها، بل أيضًا في الثقافة والإعلام؛ من ذلك فيلم «يمنيات يصنعن التغيير» الذي أنتجته مؤسسة «صوت» وأخرجته الشاعرة والصحفية سماح الشغدري بوصفه توثيقًا سرديًّا لدور النساء المتعدد في تلك اللحظة المفصلية.

غير أن هذا المسار تعرّض لانتكاسة عميقة مع انقلاب الحوثيين عام 2014. فُرضت قيود مشددة على النساء، واستُهدفت ناشطات وصحفيات ومدافعات عن حقوق الإنسان عبر الاعتقال والإخفاء والتشهير، وتضييق الحركة والتنقل بفرض شرط «المَحرَم» وعرقلة استخراج الوثائق الرسمية. وثّقت تقارير حقوقية أنماطًا متسعة من الانتهاكات شملت العنف الجسدي والنفسي، والاستغلال الاقتصادي عبر أعمال قسرية أو تجنيد لأدوار غير إنسانية. كما أسهمت الأوضاع المعيشية المتدهورة في عودة ممارسات ضاغطة كزواج الصغيرات وتزايد تسرب الفتيات من المدارس، فيما تحمّلت كثير من النساء عبء الإعالة في ظل غياب الأزواج أو الآباء بسبب القتل أو الاعتقال أو النزوح.

إلا أن حضور المرأة توجه نحو مساهمتها في مسارات الإغاثة والعمل الإنساني والوساطة المجتمعية وحماية السلم الاجتماعي. في القرى والمدن ومخيمات النزوح، لعبت النساء أدوارًا عملية في تنظيم شبكات التكافل، مثبتات أن الحضور النسائي يتجاوز ثنائية «الضحية/المنقذة».

تكشف قراءة مسار المرأة اليمنية خطًّا تاريخيًّا متصلًا: من مقاومة قيود الحكم الإمامي، إلى المشاركة في تأسيس الجمهورية، وصولًا إلى الصمود في وجه الحرب والانتهاكات. تغيّرت الأدوات والسياقات، لكن الهدف ظل واحدًا: الحرية والكرامة والمشاركة المتساوية. وهذا ليس سردًا بطوليًّا فحسب، بل شرطًا لازمًا لأي مشروع جاد لبناء دولة حديثة؛ فالدولة التي تُقصي نصف مجتمعها تُضعف مؤسساتها وتُبدّد رأس مالها الاجتماعي وتُطيل أمد هشاشتها.

وعليه، فإن التعامل مع قضايا النساء وإنصافهن ليس مجاملةً سياسية ولا بندًا ثانويًّا في برامج الإعمار، بل عنصرًا بنيويًّا في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي—ابتداءً من ضمان الحق في التعليم والعمل وحماية الحركة والتنقل، مرورًا بتعديل الأطر القانونية لرفع العوائق التمييزية، وصولًا إلى الاعتراف بدور المرأة من خلال دعم المبادرات الثقافية والإعلامية التي توثّق التجربة النسائية وتمنحها مكانها المستحق في الذاكرة العامة.

من بلقيس وأروى وشمس ولميس، إلى غزال المقدشي وكرامة اللقية وعزيزة عبدالله ورفيقاتها، ثم جيل الناشطات وصانعات المحتوى والوسيطات الاجتماعيات اليوم، تتصل خيوط الحضور النسائي كقصة مقاومة متجددة. لقد غيّرت النساء اليمنيات خرائط الممكن أكثر من مرة؛ ومع أن الحرب فرضت أثمانًا باهظة، إلا أن إرادتهن أثبتت أن الحرية والكرامة لا يمكن أن تُنتزع من وعي شعب تصدّرت نساؤه الصفوف الأمامية في معارك التغيير.