الحرية لا تُورَّث بل تُحمى – والكرامة لا تُشترى بل تُصان – والوطن لا يبنيه إلا أبناؤه

ثورة 26 سبتمبر: إرث لا يموت ومسؤولية الأجيال

دكتورة عميدة شُعلان

استاذة قسم الآثار بجامعة صنعاء

محمد أحمد شُعلان وأبطال ثورة 26 سبتمبر

والدي المناضل المرحوم محمد أحمد شُعلان هو واحدًا ضمن خمسة من الأحرار اليمنيين الموقعين مع الزعيم جمال عبد الناصر على وثيقة إعلان قيام الجمهورية العربية اليمنية: أحمد محمد نعمان، محمد محمود الزبيري، محمد علي الأسودي، ود.عبدالرحمن البيضاني.

شُعلان كان جزءًا من الجيل الذي مهد الطريق لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وحمل قيمها في حياته: إسقاط الاستبداد، إقامة النظام الجمهوري، بناء جيش وطني، نشر التعليم، وتحقيق العدالة الاجتماعية. هذه المبادئ غرسها فينا أبناءه، فكبرنا ونحن نرى في حب الوطن مسؤولية لا شعارًا.

الثورة ليست مجرد تاريخ

نشأتُ متشبعةً بمبادئ وأهداف ثورة سبتمبر، ليس من خلال الكتب وحدها، بل من واقع الحياة اليومية. مذكرات والدي تحدثنا عن اليمن قبل الثورة، عن الظلام الذي كان يلف البلاد، عن الجهل والفقر والاستبداد، وكيف جاءت الثورة لتفتح أبواب النور والمعرفة والمساواة. علمنا أن أهداف الثورة ليست مجرد بنود تاريخية، بل هي وصية جيل إلى جيل.

على مدى أربعة وستون عامًا بعد الثورة، شهد اليمن مسيرة مليئة بالتحديات والآمال. ورغم ما مرّت به البلاد من تغيرات سياسية وتقلبات عاصفة، فإن روح سبتمبر بقيت وستبقى حاضرة في وعينا وذاكرتنا الجمعية. رأيت كيف نشأت المدارس وانتشرت الجامعات، وكيف بدأ الناس يتحدثون عن حقوقهم ويطالبون بها. نعم، لم يكن الدعم الرسمي دائمًا بالمستوى المأمول، وكثير من مظاهر النمو والتطور جاءت بجهود فردية أو مبادرات مجتمعية، لكن هذا بحد ذاته دليل على حيوية الشعب وإيمانه بالقدرة على التغيير. لقد كان والدي يقول: “الثورات ليست خطًا مستقيمًا، بل مسار طويل تتخلله الانتصارات والنكسات”.

الأجيال المتعاقبة ومسؤولية الاستمرار

أما عن الأجيال المتعاقبة، فأنا أؤمن أن لكل جيل بصمته الخاصة على التجربة الوطنية. جيل والدي حمل مشعل التغيير الأول، وواجه التحديات الكبرى لبناء الدولة من الصفر. جيلنا جاء ليواجه تحديات مختلفة: الحفاظ على المكتسبات، وتصحيح المسار، ومواكبة متغيرات العصر. والجيل الجديد اليوم، يحمل أدوات لم تكن متاحة من قبل – من التكنولوجيا والاتصال بالعالم – مما يمنحه القدرة على الإبداع وتقديم رؤى جديدة، شرط أن يستمد جذوره من القيم التي ضحى من أجلها الآباء.

أدرك تمامًا أن الطريق ما زال طويلًا، كما كان طويلًا أمام جيل سبتمبر، لكن ما يميزنا اليوم أننا نحمل إرثهم ومعه أدوات العصر. وكما غرس والدي وزملاؤه الثوار فيَّ حب الوطن وواجب العمل من أجله، أشعر أن من واجبي أن أنقل هذه الرسالة للأجيال التالية: أن الوطن ليس فكرة مجردة، بل هو كل ما نصنعه بأيدينا ليكون مكانًا أفضل لنا ولمن سيأتي بعدنا.

إن الحديث عن ثورة 26 سبتمبر، بالنسبة لي ولجيل بأكمله، هو إيمان بأن الحرية والكرامة حق لكل إنسان. رحم الله والدي شُعلان، وكل رفاقه الذين أضاءوا لليمن فجرًا جديدًا، وتركوا لنا وصية الأمانة والوفاء، وجعلنا أوفياء لما بدأوه، متمسكين بحلم اليمن الحر، الموحد، المزدهر.

بين الأمس واليوم، يظل الأمل هو الخيط الذي يربط الأجيال، والمبادئ التي زرعها الرواد هي البوصلة التي توجه خطواتنا، مهما تعثرت الطريق. فالأمم التي تحافظ على ذاكرتها الثورية، وتُصون إرث أبطالها، هي وحدها القادرة على عبور المستقبل بثقة