الجمهورية والديمقراطية في اليمن هوية 26سبتمبر بين التأسيس والاختبار

عبدالملك عبدالرحمن الإرياني

كاتب، وزير السياحة اليمني الأسبق، وسفير اليمن السابق لدى مملكة هولندا

في السادس والعشرين من سبتمبر 1962 بزغ فجر جديد في اليمن. من قلب صنعاء، أُعلنت الجمهورية إيذانًا بنهاية حكم الإمامة. لم يكن الحدث مجرد انقلاب سياسي فحسب، بل ولادة لهوية وطنية جديدة تُعرّف اليمنيين وتُعاملهم كمواطنين لا كرعايا، ومشروع دولة تضع العدالة والحرية والمساواة في صميم أهدافها.

اليوم، ونحن نحيي الذكرى الثالثة والستين للثورة، لا تبدو ثورة 26 سبتمبر مجرد صفحة في كتاب التاريخ بل عقدًا تأسيسيًا يُختبر يوميًا وسط الحروب والنزاعات والانقسامات وضغوط إقليمية ودولية.

أبرز ما أنتجته ثورة سبتمبر كان انتقال الشعب اليمني من حالة “الرعية” إلى حالة “المواطنة”. وجد اليمني نفسه شريكًا في دولة، مالكًا لحقوقه في وطنه، لا تابعًا لإمام. وكما قال أبو الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري:

“إنني أعرف أن الإمامة قد خلقت فروقًا بين أبناء الشعب الواحد، وأنني أستمع إليكم في رعب شديد لأسماء سميتموها ما أنزل الله بها من سلطان. فلنضع حدًا لهذه الفروق.”

وكذا عبّر الشهيد محمد أحمد نعمان عن هذا المعنى بوضوح حين قال:

“إن الهاشمي والقحطاني، الزيدي والشافعي، التهامي والجبلي، الرعوي والقبيلي… كل هؤلاء يمنيون أولًا وقبل كل شيء. وقبل أن يوجد عدنان وقحطان، وجدت أرض اليمن. وقبل أن يوجد زيد والشافعي، كان شعب اليمن موجودًا على أرض اليمن.”

من أهم إنجازات ثورة 26 سبتمبر أنها فتحت الأبواب لبناء دولة لها مؤسسات، وجيش وطني، ومدارس وجامعات، وإدارة مدنية تتجاوز الولاءات القبلية والمناطقية والعصبيات المذهبية والسلالية تدريجيًا. وعلى الرغم من عثرات التجربة وصراعات ما بعد الثورة، فقد ترسخ في الوعي العام أن شرعية الحكم تنبع من الخيار الشعبي لا من النسب، وأن تداول السلطة – ولو في حدوده الدنيا – مكسب ينبغي الحفاظ عليه. وكما قال الرئيس الراحل القاضي عبدالرحمن الإرياني:

“إن النظام الجمهوري هو النظام الإسلامي الصحيح والإنسانية الكاملة والتقدم والتطور، وليس فيه حق إلهي لفرد ولا لأسرة ولا لجماعة أن تحتكر السلطة.”

هكذا رُسمت ملامح هوية وطنية تتجاوز العصبيات القبلية والسلالية والمناطقية، لتُقيم رابطة سياسية مدنية جامعة. ولم يكن تثبيت هذه الهوية بالشعارات وحدها، بل بالانتقال من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية الدستورية”. وقد تحقق ذلك بإقرار الدستور الدائم عام 1970، ثم انتخاب مجلس الشورى عام 1971 ليصبح أول هيئة نيابية منتخبة في تاريخ اليمن. كان ذلك خطوة مفصلية في نقل شعار الجمهورية إلى واقع مؤسسي.

وقد قال القاضي الإرياني في إعلان الدستور الدائم:

“إننا بهذه الوثيقة الدستورية نتضامن مع كل الدول التي تؤمن بحق الإنسان وحريته وتنشد الحق والعدل والسلام، ونضع الأسس التي تقوم عليها دعائم الحياة الديمقراطية في بلادنا، وتشيع الحرية بين الأفراد والجماعات. ومن أجل ذلك كله، وحرصًا على كفالة الشروط الأساسية القانونية لقيام الديمقراطية الشعبية اليمنية على أساس المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين دون تفرقة ولا تمييز، وتحقيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يعتبر الضمان الأكيد للحيلولة دون عودة الحكم الفردي، وحياطة للأجيال القادمة من أن تتعرض لحكم القهر والإذلال تحت أي لون من ألوان الدكتاتورية، نعلن الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية.”

وحين تحققت الوحدة بين شطري اليمن في 22 مايو 1990، شعر اليمنيون أنها التتويج الأكبر لروح ثورتي سبتمبر وأكتوبر معًا. لم تكن الوحدة مجرد اندماج سياسي، بل مثلت خطوة عظيمة لتوطيد الكيان اليمني الواحد وتثبيت الهوية الجامعة. هوية ترى في اليمن وطنًا واحدًا يتجاوز إرث التشطير ومرارات الانقسام.

للمرة الأولى في التاريخ، صاغ اليمنيون دستورًا موحدًا يعكس هذه الهوية عبر مبادئ التعددية السياسية والانتخابات الحرة وحرية الصحافة. لقد أكد هذا الدستور أن الجمهورية ليست نظامًا سياسيًا فقط، بل هوية وطنية وإطار شامل ينظّم حقوق وواجبات المواطنين وعلاقتهم بالسلطة بموجب عقد دستوري ودولة مؤسسية.

وفي مرحلة الانفراج السياسي بعد الوحدة، اختبر اليمنيون أشكالًا من التعددية والانتخابات والحياة الحزبية. أُنجز منها ما أُنجز وتعثر الكثير. ومع ذلك، بقي الخيار الجمهوري والديمقراطية والتعددية جزءًا من الوجدان العام، حتى عند تعرضه لهزات قاسية.

وإذا كانت ثورة 26 سبتمبر عقدًا تأسيسيًا وبداية انطلاق، فإنها ليست النهاية. المهام التي نواجهها اليوم واضحة:

  1.     إعادة الطابع المدني للدولة: لا ديمقراطية بلا مؤسسات محايدة محكومة بالأنظمة والقوانين، لا بالولاءات الضيقة.

  2.     تحصين الجمهورية مجتمعيًا: التعليم والعدالة والخدمات ليست شعارات، بل أدوات حماية للهوية الوطنية، وركائز للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

  3.     السياسة بدلًا من السلاح: الهوية الجمهورية تقوم على التمثيل الديمقراطي والتنافس السلمي، لا على العنف والانقسامات.

  4.     رفض وتفكيك العصبيات: المواطنة لا تُصان إلا بسيادة القانون؛ فلا مكان للتمييز السلالي أو المناطقي أو المذهبي في جمهورية المواطنة.

إن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر لم تكن مجرد حركة سياسية عابرة، بل ميلادًا لهوية وطنية جديدة أساسها الجمهورية. رسخت قيم المواطنة، وفتحت آفاق الحرية والديمقراطية. وأثبتت تجربة الوحدة أن اليمنيين – مهما تباينت مساراتهم وتوجهاتهم – قادرون على صناعة تاريخ مشترك يقاوم الانقسام.

اليوم، ونحن نحيي الذكرى الثالثة والستين لثورة سبتمبر المجيدة، يظل التمسك بمبادئ وروح سبتمبر واجبًا وطنيًا وأمانة للأجيال القادمة. فالجمهورية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تُبنى بالعدل والتعليم والمساواة، وتُصان بالوحدة الوطنية والإرادة الشعبية. وبهذه الروح وحدها يمكن لليمن أن يتغلب على أزماته ويجدد مسيرته نحو مستقبل يليق بتضحيات رواده وأحلام شعبه.