
غمدان اليوسفي/ صحفي
ربما يكون كتاب «الثقافة الجمهورية في اليمن» لمؤلفه الأديب والكاتب الدكتور علي محمد زيد أحد أبرز الإضاءات المركّزة على واقع اليمن في فترة الحكم الإمامي، وقد وصفها في الكتاب بـ «مملكة الظلام».
ركز الدكتور زيد في كتابه على الانغلاق المرعب الذي عاشته اليمن في عهد أسرة حميد الدين بعد خروج الاحتلال العثماني لليمن عام 1918. وفيه وثّق شهادات معاصرين ووثائق تاريخية من رحّالة وأدباء وسياسيين عاشوا الفترتين، راصدًا ملامح الفارق الكبير بين زمنين: زمن انغلقت فيه اليمن عن العالم وعاشت خارج الزمن، وزمن آخر انفتحت فيه على الحياة الحديثة وأطلقت طاقات شعبها نحو المستقبل.
سيطر الأئمة على اليمن لعقود في ظل حكم فردي مطلق يعتمد العزلة منهجًا. فقد رفض الإمام يحيى، ومن بعده الإمام أحمد، أي انفتاح على الخارج، حتى صار اقتراب الغرباء من اليمن خطرًا على حياتهم.
ينقل الدكتور زيد عن الأديب والرحّالة اللبناني أمين الريحاني في كتابه «ملوك العرب» حادثة معبّرة: حين سأل أحد اليمنيين عن موقفهم من دخول الأجانب، جاء الرد صادمًا:
«لا يؤذن لهم.»
ـ «وإذا جاءكم الأجنبي؟»
ـ «والله نذبحه.»
لم تكن هذه نكتة؛ فقد عاش الأئمة بهاجس المؤامرة وخشية التدخل الخارجي، ففرضوا على اليمن عزلة قاسية أقرب إلى القطيعة التامة مع العالم. حتى الرحّالة القليلون الذين حاولوا زيارة البلاد، مثل الريحاني نفسه عام 1922، قوبلوا بتحذيرات ومنع شديد.
تحكّم الإمام حتى في إذن السفر؛ إذ كان المنع يتم بطريقة شخصية منه، سواء لدخول اليمن أو الخروج منها، ويخضع لمزاجه ولموافقات معقدة مع سلطات الاستعمار البريطاني في عدن. وفي الجنوب حذّروا الريحاني صراحة بقولهم: «في البلاد حرب اليوم، والطرق غير آمنة… قد يُقطع رأسك ولا أحد يسأل عنك. أنصحك: لا تسافر.»
هذه العزلة لم تكن سياسة عفوية، بل نهجًا متعمّدًا من قبل الإمامة.
ينقل الدكتور زيد عن الباحث والاقتصادي محمد سعيد العطار في كتابه «التخلّف الاقتصادي والاجتماعي في اليمن» أن الإمام يحيى تبنّى نظرة تقوم على إبقاء البلاد في حالة فقرٍ مقصود بحجة صون الاستقلال. فقد فضّل الإمام أن تظل اليمن فقيرة ومتخلفة «خوفًا من قيام الأجانب بالتنقيب عن الثروات الطبيعية والمساعدة في تنمية البلاد»؛ إذ كان يعتبر أي تنمية اقتصادية أو انفتاح نقيضًا للاستقلال وربما ذريعة للتدخل الأجنبي. لذلك عرقل كل محاولات التحديث، حتى إنه بعد خروج العثمانيين عام 1918 ألغى كثيرًا من الإصلاحات التي أدخلوها. وهكذا انغلقت اليمن على ذاتها، فلا طرق حديثة ولا موانئ صالحة، بل «ظلت في عزلة وانغلاق حتى كادت تُشبَّه بالتبت» على حد وصف بعض المؤرخين.
كما ينقل الكتاب عن السياسي المخضرم محسن العيني – الذي عاصر العهدين وكان من قادة الجمهورية لاحقًا – في كتابه «معارك ومؤامرات ضد قضية اليمن» انطباعاته عن تلك الفترة، قائلاً: «إن كل موانئ اليمن قبل 1962 كانت غير صالحة لرسوّ أية سفينة، بل وحتى لقوارب الصيد الصغيرة، وكانت تجارة اليمن كلها تمر عبر ميناء عدن.»
كان سجن «حجة» الشهير هو مصير المعارضين، وكانت التهمة الجاهزة هي الردة والخيانة.
صورة صنعاء ومدن اليمن بدت وكأنها متحف حي للعصور الوسطى كما يورد الزوار. فقد أورد الكاتب وصفًا للطبيبة الفرنسية كلودي فايان – التي أقامت في اليمن أوائل الخمسينات ودوّنت تجربتها في كتابها «كنتُ طبيبةً في اليمن» – مشاهد حية من قلب ذلك الواقع.
كتبت فايان بدهشة أنها شعرت وكأنها في أرض «لا تزال تعيش في القرون الوسطى المظلمة». الحياة بدائية إلى أبعد حد: بعد غروب الشمس يسود «صمت المقابر» في صنعاء، فلا حركة ولا ضوء، «لا يُسمع سوى نباح الكلاب وجرس حوافر الخيل على الأرض». وتروي كيف حذّرها مستعمرون في عدن عشية سفرها إلى صنعاء قائلين: «لو كنتِ ابنتي لمنعتُكِ من السفر… لا تسافري، ستندمين إذا فعلتِ» – في إشارة إلى حجم المعاناة المتوقعة.
لم تكن هناك مستشفيات بالمعنى الحديث (سوى مستشفى وحيد متواضع ورثه الإمام عن الأتراك وحوّله إلى قصر له لاحقًا)، ولا أطباء يمنيون تقريبًا ولا حتى ممرضات.
وينقل الكتاب عن فايان مظاهر صارخة للنفاق الاجتماعي، إذ كان بعض الأمراء المتزمتين دينيًا يمارسون فسادًا أخلاقيًا مستترًا رغم تشدّدهم الظاهري. بينما كانت المرأة اليمنية مغيّبة عن المشهد الاجتماعي تمامًا؛ دورها محدود جدًا وتعليمها معدوم تقريبًا.
تعليميًا، عاشت اليمن في ظلام معرفي شبه تام. ويقول الرحّالة أمين الريحاني إنه خلال رحلته عبر اليمن «لم يرَ مدرسة في طول البلاد وعرضها»، وقد استنتج من ذلك أن الإمام لا يحبّذ تعليم العامة ولا يهتم بنشر المعرفة.
ورث الإمام يحيى عن العثمانيين مدرسة وحيدة في صنعاء هي «مدرسة الأيتام» التي أنشأوها قبيل رحيلهم، فتركها تعمل على مضض دون أن يغلقها. لكنها كانت مدرسة محدودة جدًا، مخصصة لعدد من الأطفال اليتامى والفقراء، وكان التحاق أي طفل بها حلمًا بعيد المنال لعامة الناس.
يحكي أحمد المروني – في سيرته «الخروج من النفق المظلم» – كيف التحق بهذه المدرسة بعد جهد جهيد في إقناع والده والمسؤولين، ليجد صفًا أوليًا فيه حوالي ثلاثين طالبًا يجلسون على الأرض بلا مقاعد، ويفتقرون للكتب والدفاتر سوى ما يُكتب على السبورة. كان الطلاب يعانون أمراضًا شتى (جدري، سعال ديكي، قمل…) داخل غرفة خانقة ذات تهوية سيئة. وبرغم هذه الظروف المزرية، خرج من تلك المدرسة القليلة نخبة من المتعلمين الذين أصبحوا لاحقًا من رواد التنوير ومناضلي الثورة.
هذا الجمود التعليمي انعكس على الحياة الثقافية والفكرية. خلال حكم الإمامة لم تشهد اليمن حراكًا أدبيًا أو فكريًا، بل ظلت الثقافة أسيرة الماضي.
وينقل الأديب الكبير عبدالله البردوني في كتابه «اليمن الجمهوري» أنه حتى الكتب الحديثة القليلة التي تسربت خلسة إلى اليمن من مصر أو لبنان في أربعينات وخمسينات القرن الماضي لم تستطع تحريك وعي المجتمع إلا لمامًا. كانت تصل سرًا مجلات مثل «الرسالة» و«المقتطف» وغيرها إلى أيدي بعض الشباب المستنير، فيتبادلونها خفية في جلسات سرية. وقد هرّب بعض المثقفين كتبًا سياسية وثورية عبر عدن، فكان الكتاب الواحد يُقرأ بالتناوب من قبل عدة أشخاص، ويتناقشون حوله خلف الأبواب المغلقة.
في صباح يوم 26 سبتمبر 1962 دوّى في صنعاء دوي المدافع معلنًا سقوط النظام الإمامي وقيام «الجمهورية العربية اليمنية». انتفض «الضباط الأحرار» – وهم مجموعة من العسكريين الشباب الذين تأثروا بالأفكار القومية والثورية – ضد حكم الإمام البدر (نجل أحمد)، لتسقط آخر معاقل حكم الأئمة المستمر منذ قرون.
ورغم أن الوليد الجديد خاض سنوات من الحرب الأهلية بين الجمهوريين والملكيين المدعومين من الخارج، فإن اليمن بدأ ينخرط تدريجيًا في محيطه العربي والدولي. أقيمت علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى، وحصلت الجمهورية الوليدة على اعتراف عالمي بعد انتهاء الحرب على الإمامة عام 1970. كما انتهى احتكار عائلة واحدة للسلطة، ودخلت مفاهيم جديدة مثل الدستور والمواطنة والانتخابات – ولو بصورة محدودة في البداية.
أصدر الأستاذ عبدالله البردوني كتابه النقدي «اليمن الجمهوري» الذي حلل فيه أوضاع اليمن الجديدة وقدّم فيه تسمية «اليمن الجمهوري» اقتباسًا من الفكر السياسي الفرنسي لوصف المرحلة. ونُشرت كتب تاريخية كانت محظورة، مثل «اليمن: الإنسان والحضارة» لعبدالله محسن الشماحي (طُبع 1963) الذي كان معارضًا في عهد الإمامة.
حتى بعض رجالات النظام السابق وجدوا حرية غير معهودة في التعبير: فعبدالكريم مطهّر – رئيس تحرير صحيفة الإمام سابقًا – ألّف بعد الثورة كتابًا ينتقد فيه عهد الإمام يحيى بعنوان «سيرة الطاغية» (نُشر 1965 بمقدمة أحد أبناء الأسرة الإمامية أنفسهم)!
يقول الدكتور علي محمد زيد: «كانت الثورة تحريرًا للجميع حتى لأولئك الذين حاربوها.»
أُنشئت في 1970 جامعة صنعاء كأول جامعة في تاريخ البلاد بقيادة التربوي الرائد أحمد جابر عفيف، كما افتُتحت لأول مرة مدارس حكومية مجانية للبنات في صنعاء وتعز أواخر الستينات، لتبدأ مسيرة بطيئة في تعليم الفتاة اليمنية، وجرى اعتماد مناهج حديثة بدلاً من الاقتصار على الكتاتيب.
في المجال الاجتماعي أيضًا كانت الثورة منعطفًا كبيرًا. أُلغي رسميًا نظام الرق والاستعباد الذي كان موجودًا بشكل محدود في عهد الإمامة، وصدر قانون يجرّم بيع وشراء العبيد، فوُضع حد لذلك «الإرث البغيض» (رغم استمرار بعض الممارسات سرًا لفترة). وحاولت الدولة الجديدة إصلاح التركيبة الطبقية للمجتمع، فأنهت امتيازات الطبقة السلالية الحاكمة (السادة الهاشميين) وأعلنت أن جميع اليمنيين متساوون في المواطنة. بالطبع لم تختفِ الفوارق الاجتماعية بين يوم وليلة، لكن مجرد طرح خطاب المساواة والعدالة الاجتماعية كان تطورًا لافتًا.
بدأت عجلة التنمية بالدوران بعد 1962 بمساعدة الأصدقاء في المعسكرين الشرقي والغربي. فالصينيون شقوا طريقًا حديثًا يربط صنعاء بالحديدة على امتداد 260 كم تقريبًا، والسوفييت أكملوا مشروع ميناء الحديدة وطوروه ليتسع للسفن الكبيرة، والمصريون ساعدوا في إنشاء نواة للجيش الجمهوري وتسليحه، وبنوا إذاعة صنعاء ومحطة التلفزيون في 1964.
كما تأسست أول مصارف محلية (كالبنك اليمني للإنشاء والتعمير 1963)، وافتتحت فروع لمصارف أجنبية لأول مرة في تاريخ شمال اليمن. وبدأت الدولة بدفع رواتب للموظفين والجيش من خزينة عامة، بدلاً من نظام «الميري» والجبايات التقليدية.
ينقل الدكتور زيد قول الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي إن الشباب الجمهوريين في الستينات شعروا بأنهم «يبدأون من الصفر في بناء بلدهم»، فكل شيء كان ينقصهم تقريبًا، لكنهم امتلكوا العزيمة لتعويض القرون الضائعة بخطوات سريعة.
كتاب الدكتور زيد لا يمكن اختصاره بهذه السطور، فهو ثري وغزير بالأحداث والمتغيرات والمصادر. ولكن ما ذُكر هنا مجرد شذرات مستعجلة لوضع بعض الملامح لما كان وما صار.
