مها عوض
ناشطة حقوقية وسياسية
رئيسة منظمة وجود للأمن الإنساني
لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 مجرد انتقال سياسي في نظام الحكم، بل لحظة فاصلة حررت اليمنيات واليمنيين من الحكم الإمامي الاستبدادي، وفتحت الطريق أمام مشروع نظام جمهوري حمل معه آمالًا واسعة في الحرية والعدالة والمواطنة. جاءت الثورة بمثابة نهضة وطنية شاملة لم تقتصر على البعد السياسي، بل امتدت إلى الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية. فقد كان اليمنيون يتطلعون من خلالها إلى مستقبل جديد يضمن لهم حقهم في دولة عادلة حديثة، قائمة على المساواة، وقادرة على الاستجابة لطموحاتهم.
غير أن مسار الثورة وما تلاها لم يكن واضح المسار ولا خاليًا من التعقيدات. فقد تداخلت العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل ملامح الدولة الجديدة. على الصعيد الداخلي، نشأت علاقات بنيوية متشابكة بين القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية والقبلية، وكان لهذه التشابكات أثر بالغ على طبيعة مؤسسات الدولة. انعكست المصالح الضيقة والنفوذ المتبادل على مؤسساتها، مما حال دون تطور مفهومها ككيان يعبر عن المصلحة العامة. أما على الصعيد الخارجي، فقد وجدت قوى إقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، في ضعف الدولة اليمنية فرصة لتكريس نفوذها من خلال بناء شبكة علاقات وثيقة مع بعض القوى المحلية المؤثرة، ضمن سردية تاريخية رأت دائمًا في قيام دولة يمنية قوية تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
حتى بعد التحولات الكبرى مثل توحيد شطري اليمن عام 1990 تحت مسمى الجمهورية اليمنية، ظل البلد أسير دوامة صراع على السلطة من شكل إلى آخر. ذلك الصراع لم يكن مجرد منافسة سياسية، بل كان تقويضًا متكررًا لفكرة الدولة نفسها. إذ جرى استخدام السلطة كأداة لإقصاء الخصوم أكثر من كونها أداة لإدارة المصالح العامة. ومع غياب مشروع وطني جامع، ظلت العلاقة بين الدولة والمواطنين هشة، قائمة على الولاءات الضيقة بدل أن تقوم على عقد اجتماعي يؤسس للحقوق والواجبات المتساوية.
ثم جاء انقلاب الحوثيين عام 2014 وما تلاه من حرب شاملة منذ عام 2015 ليكشف ضعف الدولة البنيوي، ويشكل أخطر تهديد مباشر لأهداف ثورة سبتمبر. فقد أعادت الجماعة إنتاج فكرة الإمامة نفسها، لكن بثوب جديد وتحت شعار “الولاية”، محاولة تكريس نظام يقوم على الإقصاء والنظام السلالي، ويجافي منجز الثورة ومسؤوليتها التاريخية. ومع صعودها العسكري والسياسي المدعوم من إيران، أصبح اليمن ساحة مفتوحة لمشروع إقليمي يستنسخ نموذج حزب الله في لبنان، بما يحمله من تهديدات للداخل اليمني وللأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
وبالمقابل، لا يمكن إنكار أن الثورة حققت مكاسب حقيقية، وإن جاءت متدرجة وجزئية. فقد فتحت الطريق أمام بناء المدارس والجامعات، وأسست لبدايات دولة مؤسسات مدنية، وأطلقت مسارات سياسية واجتماعية أسهمت في ترسيخ مبادئ المواطنة المتساوية. صحيح أن هذه المكاسب ظلت عرضة للتعثر بسبب الصراعات والانقسامات، لكنها تبقى شاهدة على أن أهداف سبتمبر قابلة للتحقق متى توفرت الإرادة السياسية والبيئة المستقرة.
ومن أبرز الأبعاد التي تجسد نجاحات الثورة وإخفاقاتها معًا: قضية حقوق المرأة. فقد كان للنساء دور محوري في الثورة، وإن لم يُوثق كما وُثق دور الرجال. في فترة الحكم الإمامي، كانت المرأة تعاني التهميش والحرمان، محرومة من التعليم والعمل والحقوق الأساسية. لكن الثورة فتحت أمامها أبواب المشاركة، وإن بشكل تدريجي. أُقرت حقوقها في التشريعات الوطنية، وانخرطت في التعليم والحياة العامة، وأسست جمعية المرأة عام 1969، التي اندمجت لاحقًا في اتحاد نساء اليمن عقب قيام الجمهورية اليمنية عام 1990. واستفادت النساء أيضًا من الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدولة مثل اتفاقية “سيداو”، ومن مؤسسات وطنية كإنشاء اللجنة الوطنية للمرأة عام 1996، فضلًا عن منظمات المجتمع المدني التي منحتها صوتًا متزايدًا.
ورغم هذه المكاسب، ظلت الإنجازات في مجال حقوق المرأة هشة وغير منهجية، تفتقر إلى إرادة سياسية صلبة، ما جعل المواقف التمييزية البنيوية ضدها راسخة. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، عانت النساء أثمانًا مضاعفة. فقد تحمّلن عبء النزوح والفقر، وتعرضن لصنوف العنف والتمييز والانتهاكات الممنهجة من قبل سلطات الحوثيين، بما في ذلك الاعتقال والقيود على الحركة وفرض ولاية الذكور على أبسط تفاصيل حياتهن. تجاوزت هذه الانتهاكات الأعراف والقوانين، وبلغت مستوى جعلها لا تمس النساء وحدهن، بل تطال الأسرة والمجتمع برمته، في واحدة من أشد الانتكاسات المؤلمة لمسيرة تحقيق أهداف الثورة.
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يقف اليمن أمام منعطف خطير. لم يعد الأمر يتعلق فقط بما تحقق من أهداف الثورة وما تعثر، بل يتعلق بالحفاظ على جوهرها من محاولات النكوص التاريخي. فهناك من يسعى لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل سبتمبر، وكأن لحظة الانتقام من قيمها قد حانت.
إن أهداف الثورة لا يمكن أن تظل نصوصًا في الذاكرة أو شعارات في المناسبات؛ هي مشروع متجدد يتطلب إعادة بنائه عبر تنمية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية متكاملة: من التعليم إلى الصحة، ومن العدالة الاجتماعية إلى تقليص الفوارق الطبقية، ومن تمكين المرأة إلى تعزيز سيادة القانون. وبقدر ما يشكل تحقيق هذه الأهداف استحقاقًا داخليًا للشعب اليمني، فإنه أيضًا ضرورة للأمن والسلم الإقليمي والدولي. فاليمن لم يعد قضية محلية فحسب، بل اختبارًا لقدرة النظام الدولي على مواجهة المشاريع العابرة للحدود التي تسعى لتقويض مفهوم الدولة الوطنية.
إن الحفاظ على سبتمبر وتجديد مشروعه التحرري يمثل مهمة تاريخية تتجاوز جيل الثورة إلى الأجيال اللاحقة. واليمنيون اليوم، كما قبل ستة عقود، أمام خيار مصيري: إما التمسك بمبادئ الحرية والمساواة والكرامة، أو التسليم لمشروع الولاية والنظام السلالي وما يحمله من ظلام يعيد اليمن والمنطقة إلى عصور الوصاية والاستبداد. غير أن هذه اللحظة الصعبة قد تحمل أيضًا فرصة لإحياء أهداف الثورة بروح جديدة، وإعادة صياغة مشروع وطني جامع يضع اليمن على طريق المستقبل كدولة حديثة قادرة على حماية مواطنيها والمساهمة في استقرار محيطها والعالم.
